التعليمالرئيسية

الغش وتسريب الامتحانات في مدارسنا.. بـين ضغوط الواقع وحق الطالب المجتهد

إنتصار المغيربي

أين‭ ‬يكمن‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي؟،كيف‭ ‬تتم‭ ‬هذه‭ ‬الاختراقات‭ ‬ومن‭ ‬يقف‭ ‬وراءها؟‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬كيف‭ ‬تحولتْ‭ ‬هذه‭ ‬التجاوزات‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬فردي‭ ‬منبوذ‭ ‬ومُجرّم،‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬شبه‭ ‬مقبولة‭ ‬مجتمعياً؟‭.‬

نبحث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭ ‬شافية‭ ‬وجريئة،‭ ‬عبر‭ ‬تشريح‭ ‬أبعاد‭ ‬الظاهرة‭ ‬مع‭ ‬التربويين،‭ ‬وأولياء‭ ‬الأمور،‭ ‬والمختصين،‭ ‬سعياً‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬هيبة‭ ‬التعليم‭.‬

أسباب‭ ‬الظاهرة‭.. ‬لماذا‭ ‬يتكرر‭ ‬المشهد‭ ‬؟‮ ‬

تبدأ‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬المركبة‭ ‬والمفاهيم‭ ‬المغلوطة‭ ‬للنجاح‭. ‬تعزو‭ ‬المهندسة‭ ‬عبير‭ ‬محمد‭ ‬أبوزقية،‭ ‬تجذر‭ ‬المشكلة‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬الرادع‭ ‬القانوني‭ ‬الصارم‭ ‬الذي‭ ‬يوازي‭ ‬حجم‭ ‬الجريمة‭ ‬التعليمية،‭ ‬وتحوَّل‭ ‬الامتحانات‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬‮«‬مصيرية‮»‬‭ ‬وحيدة‭ ‬تحدد‭ ‬مسار‭ ‬حياة‭ ‬الطالب،‭ ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬ضغطاً‭ ‬نفسياً‭ ‬هائلاً‭ ‬يدفع‭ ‬الطلاب‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬طوق‭ ‬نجاة‭ ‬بأي‭ ‬ثمن،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭. ‬وتتفق‭ ‬معها‭ ‬المهندسة‭ ‬ليلى‭ ‬أحمد‭ ‬الفزاني،‭ ‬محملة‭ ‬المسؤولية‭ ‬لضعف‭ ‬التحصيل‭ ‬الدراسي‭ ‬التراكمي،‭ ‬وغياب‭ ‬الاستعداد‭ ‬الذهني‭ ‬المبكر،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬بعض‭ ‬‮«‬ضعاف‭ ‬النفوس‮»‬‭ ‬لمراكزهم‭ ‬وعلاقاتهم‭ ‬الإدارية‭ ‬لتسهيل‭ ‬التجاوزات‭ ‬وتمرير‭ ‬أسئلة‭ ‬الامتحانات‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬قصور‭ ‬أكاديمي،‭ ‬أو‭ ‬تسيب‭ ‬إداري؛‭ ‬إنها‭ ‬أزمة‭ ‬تضرب‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬البناء‭ ‬الأخلاقي‭.‬

يصف‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬عبد الرحمن‭ ‬الفيتوري‭ ‬المشهد‭ ‬بـ‮ «‬الانهيار‭ ‬القيمي‮»‬”‭. ‬أن‭ ‬اختزال‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬أو‭ ‬الإدارية‭ ‬وحدها‭ ‬يغفل‭ ‬جانباً‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحوَّل‭ ‬الغش‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬قيمية‭ ‬ومجتمعية‭.‬

‮ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬الغش‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الفئات‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬مرفوض‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬يتم‭ ‬تبريرها‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬مختلفة‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أضعف‭ ‬قيمة‭ ‬الاستحقاق‭ ‬العلمي‭ ‬وأثر‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬بعض‭ ‬الطلاب‭ ‬والأسر‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭.‬

ويشير‭ ‬الفيتوري‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الظاهرة‭ ‬يعكس‭ ‬خللاً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية‭ ‬والثقافية؛‭ ‬حيث‭ ‬تراجعت‭ ‬قيمة‭ ‬العلم‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البيئات‭ ‬لصالح‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الشهادة‭ ‬والنتيجة‭ ‬فقط،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مستوى‭ ‬التحصيل‭ ‬أو‭ ‬الكفاءة‭.‬

وتلتقط‭ ‬الأستاذة‭ ‬ليلى‭ ‬جمعة‭ ‬ولية‭ ‬أمر،‭ ‬خيط‭ ‬المسؤولية‭ ‬لتوزعه‭ ‬بعدالة‭ ‬بين‭ ‬المدرسة‭ ‬والبيت‭. ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬اكتفاء‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬بانتظار‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬دون‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬يومية‭ ‬حقيقية،‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬عميقة‭ ‬تضعف‭ ‬دافعية‭ ‬الطالب‭ ‬نحو‭ ‬التعلم‭ ‬الحقيقي‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬تحذر‭ ‬المعلمة‭ ‬وصال‭ ‬البريكي‭ ‬من‭ ‬ارتدادات‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬الأسرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬درجات‭ ‬عالية‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يترافق‭ ‬مع‭ ‬ضعف‭ ‬الوعي‭ ‬بقيم‭ ‬النزاهة‭ ‬الأكاديمية‭.‬

من‭ ‬داخل‭ ‬اللجان‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭..‬كيف‭ ‬تتم‭ ‬الاختراقات؟‮ ‬

تجاوزت‭ ‬أساليب‭ ‬الغش‭ ‬القصاصات‭ ‬الورقية‭ ‬المخبأة‭ ‬والأساليب‭ ‬التقليدية‭ ‬البالية،‭ ‬لتقتحم‭ ‬عصر‭ ‬الرقمنة‭ ‬من‭ ‬أوسع‭ ‬أبوابه‭.‬

يؤكد‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬الشفتري،‭ ‬أن‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬والساعات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المدمجة،‭ ‬وسماعات‭ ‬الأذن‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر،‭ ‬حوَّلت‭ ‬قاعات‭ ‬الامتحان‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬متصلة‭ ‬بالفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الخارجي‭. ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة‭ ‬من‭ ‬توزيع‭ ‬ورقة‭ ‬الأسئلة،‭ ‬يتم‭ ‬تصويرها‭ ‬وبثها‭ ‬عبر‭ ‬تطبيقات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لتتدفق‭ ‬الإجابات‭ ‬النموذجية‭ ‬إلى‭ ‬الطلاب‭ ‬في‭ ‬قاعاتهم‭. ‬مشهد‭ ‬سريالي‭ ‬يغذيه‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬تدني‭ ‬النتائج،‭ ‬وانتشار‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬النجاح‭ ‬السريع‭ ‬بأقل‭ ‬جهد‭ ‬مُمكِن‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬التقني‭ ‬يقابله‭ ‬وتدْعمه‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬حياة‭ ‬ورقة‭ ‬الامتحان‭. ‬تنبه‭ ‬الأستاذة‭ ‬فاطمة‭ ‬دراويل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المراحل‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬الأسئلة،‭ ‬مروراً‭ ‬بالطباعة،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬التوزيع‭ ‬والنقل‭ ‬للمدارس،‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬تنظيمية‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬واسعاً‭ ‬أمام‭ ‬مسربي‭ ‬الامتحانات‭. ‬وتشاركنا‭ ‬فاطمة‭ ‬إحباط‭ ‬طفلها‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي،‭ ‬الذي‭ ‬يلاحظ‭ ‬بأم‭ ‬عينيه‭ ‬تساهلاً‭ ‬وغضاً‭ ‬للطرف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬نسب‭ ‬نجاح‭ ‬وهمية‭ ‬للتسويق‭ ‬التجاري،‭ ‬مقابل‭ ‬صرامة‭ ‬مفرطة‭ ‬تُطبق‭ ‬على‭ ‬طلاب‭ ‬المدارس‭ ‬العامة‭.‬

المفارقة‭ ‬تتسع‭ ‬لتشمل‭ ‬تبايناً‭ ‬حاداً‭ ‬ومقلقاً‭ ‬بين‭ ‬اللجان‭ ‬الامتحانية‭.‬

بشجاعة‭ ‬بالغة،‭ ‬تتحدث‭ ‬الطالبة‭ ‬فوزية‭ ‬جبران‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬مؤلم؛‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬بعض‭ ‬لجان‭ ‬البنين‭ ‬حالات‭ ‬غش‭ ‬جماعي‭ ‬مفتوحة‭ ‬ينجح‭ ‬فيها‭ ‬الأغلبية‭ ‬دون‭ ‬عناء،‭ ‬بينما‭ ‬تُفرض‭ ‬رقابة‭ ‬حديدية‭ ‬لا‭ ‬مساومة‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬لجان‭ ‬البنات،‭ ‬ما‭ ‬يوقع‭ ‬الكثيرات‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الرسوب‭ ‬غير‭ ‬العادل‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬لها‭ ‬ثمن‭ ‬باهظ‭ ‬وتضحيات‭ ‬جسيمة‭.‬

تكشف‭ ‬فوزية‭ ‬أن‭ ‬شقيقتها‭ ‬المعلمة‭ ‬تعرضت‭ ‬لكسر‭ ‬في‭ ‬ذراعها‭ ‬إثر‭ ‬اعتداء‭ ‬جسدي‭ ‬عنيف‭ ‬من‭ ‬طالب‭ ‬منعته‭ ‬من‭ ‬الغش‭.‬

هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬الصادمة‭ ‬نشرت‭ ‬الرعب‭ ‬بين‭ ‬أوساط‭ ‬المعلمات،‭ ‬ودفعتهن‭ ‬مرغمات‭ ‬للتغاضي‭ ‬عن‭ ‬التجاوزات‭ ‬خوفاً‭ ‬على‭ ‬سلامتهن‭ ‬الجسدية،‭ ‬أو‭ ‬خشية‭ ‬التعرض‭ ‬لسياراتهن‭ ‬بالتخريب‭.‬

واقع‭ ‬مظلم‭ ‬يؤكده‭ ‬الموجه‭ ‬التربوي‭ ‬المتقاعد‭ ‬الحسين‭ ‬المرادي‭.‬

موضحًا‭ ‬أن‭ ‬المراقب‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬غالباً‭ ‬أعزل‭ ‬ووحيدًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ضغوط‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتهديدات‭ ‬لفظية‭ ‬وبدنية،‭ ‬ما‭ ‬يضطره‭ -‬أمام‭ ‬غياب‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية‭ ‬والإدارية‭- ‬لشراء‭ ‬سلامته‭ ‬بالصمت‭ ‬والتجاهل‭.‬

الطالب‭ ‬المجتهد‭ .. ‬ضحية‭ ‬بلا‭ ‬ذنب‭ ‬يدفع‭ ‬فاتورة‭ ‬الفوضى‮ ‬

وسط‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬العارمة‭ ‬وتصارع‭ ‬الإرادات،‭ ‬يقف‭ ‬الطالب‭ ‬المجتهد‭ ‬وحيداً‭ ‬ليدفع‭ ‬الفاتورة‭ ‬الباهظة‭.‬

يروي‭ ‬الطالب‭ ‬أحمد‭ ‬البركي‭ ‬كيف‭ ‬عزل‭ ‬نفسه‭ ‬لشهور،‭ ‬ملتزماً‭ ‬بجدول‭ ‬مراجعة‭ ‬مرهق‭ ‬ومكثف‭ ‬تلبية‭ ‬لتوجيهات‭ ‬والدته،‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬تفوق‭ ‬مستحق‭ ‬يعكس‭ ‬سهره‭ ‬وتعبه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مشهد‭ ‬التجاوزات‭ ‬الفاضحة‭ ‬والممارسات‭ ‬غير‭ ‬العادلة‭ ‬التي‭ ‬حاوطته‭ ‬داخل‭ ‬لجنته‭ ‬الامتحانية‭ ‬حطم‭ ‬عزيمته‭ ‬في‭ ‬لحظات،‭ ‬وتركه‭ ‬غارقاً‭ ‬في‭ ‬الإحباط‭ ‬وتساؤلات‭ ‬مريرة‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬الاجتهاد‭ ‬والمثابرة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬لا‭ ‬تكفل‭ ‬العدالة‭ ‬ولا‭ ‬تحمي‭ ‬حقوق‭ ‬المتميزين‭.‬

وتحذر‭ ‬الأختصاصية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬زينب‭ ‬الساكت‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانتكاسة‭ ‬النفسية‭ ‬العميقة‭. ‬فالغش‭ ‬لا‭ ‬يسرق‭ ‬الدرجات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يغتال‭ ‬ثقة‭ ‬الطالب‭ ‬في‭ ‬نزاهة‭ ‬التقييم‭ ‬ومصداقية‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية،‭ ‬ويطفئ‭ ‬شعلة‭ ‬الشغف‭ ‬بداخله‭. ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬المجتهد‭ ‬أقرانه‭ ‬المهملين‭ ‬يتفوقون‭ ‬عليه‭ ‬بطرق‭ ‬ملتوية،‭ ‬تتشوه‭ ‬لديه‭ ‬مفاهيم‭ ‬العدالة‭ ‬والاستحقاق،‭ ‬وقد‭ ‬يتحول‭ ‬مستقبلاً‭ ‬إما‭ ‬إلى‭ ‬شخص‭ ‬ناقم‭ ‬على‭ ‬المجتمع،‭ ‬أو‭ ‬ينخرط‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الفساد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقد‭ ‬الإيمان‭ ‬بقيمة‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭.‬

نحو‭ ‬امتحانات‭ ‬أكثر‭ ‬نزاهة

حلول‭ ‬تتجاوز‭ ‬جدران‭ ‬القاعات‮ ‬

تشخيص‭ ‬الداء‭ ‬بموضوعية‭ ‬يقود‭ ‬حتمًا‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬وصفات‭ ‬العلاج‭ ‬الناجعة‭. ‬يطرح‭ ‬الخبراء‭ ‬حزمة‭ ‬حلول‭ ‬متكاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الحراسة‭ ‬الأمنية‭ ‬التقليدية‭. ‬تقترح‭ ‬المهندسة‭ ‬عبير‭ ‬أبوزقية‭ ‬إحداث‭ ‬ثورة‭ ‬إدارية‭ ‬وتقنية‭ ‬عبر‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬بنك‭ ‬رقمي‭ ‬للأسئلة‮»‬،‭ ‬وإنتاج‭ ‬نماذج‭ ‬امتحانية‭ ‬متعددة‭ ‬ومتباينة‭ ‬لنفس‭ ‬المادة،‭ ‬مع‭ ‬ربط‭ ‬قاعات‭ ‬الامتحان‭ ‬بغرف‭ ‬عمليات‭ ‬مركزية‭ ‬مزودة‭ ‬بكاميرات‭ ‬مراقبة،‭ ‬وتقليص‭ ‬المسافة‭ ‬الزمنية‭ ‬بين‭ ‬طباعة‭ ‬الأوراق‭ ‬وتوزيعها‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬لقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬المهربين‭.‬

ويدعم‭ ‬الناشط‭ ‬المدني‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬سعيد‭ ‬ساسي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بقوة،‭ ‬مشدداً‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تنويع‭ ‬الأسئلة‭ ‬جذرياً‭ ‬داخل‭ ‬اللجنة‭ ‬الواحدة‭ ‬وبشكل‭ ‬عشوائي،‭ ‬لضرب‭ ‬الجدوى‭ ‬العملية‭ ‬لتسريب‭ ‬الإجابات‭ ‬عبر‭ ‬المجموعات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وجعلها‭ ‬عديمة‭ ‬النفع‭.‬

أما‭ ‬المفتش‭ ‬التربوي‭ ‬المتقاعد‭ ‬أسامة‭ ‬مفتاح،‭ ‬فيضع‭ ‬حماية‭ ‬صانع‭ ‬الأجيال‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الأولويات‭. ‬ويؤكد‭ ‬بلغة‭ ‬حاسمة‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬خطة‭ ‬للإصلاح‭ ‬ستنهار‭ ‬وتصبح‭ ‬حبراً‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تضمن‭ ‬الدولة‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬للمراقبين‭ ‬والمعلمين،‭ ‬تدعمهم‭ ‬بقوة‭ ‬إدارياً‭ ‬وقانونياً‭ ‬وأمنياً‭ ‬لتطبيق‭ ‬اللوائح‭ ‬بصرامة‭ ‬وحياد‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬الانتقام‭. ‬ويترافق‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬تحديث‭ ‬المناهج‭ ‬لتعتمد‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتحليل‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التلقين‭ ‬والحفظ،‭ ‬وتكثيف‭ ‬برامج‭ ‬التدريب‭ ‬المستمر‭ ‬للمعلمين‭.‬

وفي‭ ‬مقاربة‭ ‬وقائية‭ ‬ومجتمعية‭ ‬ملهمة،‭ ‬يدعو‭ ‬المهندس‭ ‬محمد‭ ‬زايد،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬المناهج‭ ‬لتصبح‭ ‬تجربة‭ ‬التعلم‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬رحلة‭ ‬جاذبة‭ ‬وممتعة‭. ‬ويستشهد‭ ‬بنماذج‭ ‬الإصرار‭ ‬الخالصة‭ ‬لكبار‭ ‬السن‭ ‬في‭ ‬فصول‭ ‬محو‭ ‬الأمية،‭ ‬كدليل‭ ‬حي‭ ‬ورسالة‭ ‬للأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬بأن‭ ‬حب‭ ‬المعرفة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الدافع‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتعلم،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬الركض‭ ‬وراء‭ ‬الدرجات‭. ‬ويتقاطع‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬مع‭ ‬الجهود‭ ‬الحثيثة‭ ‬لوزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬الانضباط‭ ‬وصون‭ ‬القيم‭ ‬التربوية‭ ‬عبر‭ ‬المتابعة‭ ‬الميدانية‭ ‬الصارمة‭ ‬للمدارس‭.‬

خاتمة‭ ‬المطاف

‮ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬معركة‭ ‬حماية‭ ‬الامتحانات‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬أوراق‭ ‬مطبوعة‭ ‬بأسئلة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حماية‭ ‬مباشرة‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الفكري،‭ ‬وضمانة‭ ‬حقيقية‭ ‬لمستقبل‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

إن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬ظاهرة‭ ‬الغش‭ ‬والتسريب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬بقرارات‭ ‬فوقية‭ ‬متفرقة،‭ ‬بل‭ ‬يستوجب‭ ‬انتفاضة‭ ‬مجتمعية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬شاملة،‭ ‬تتكاتف‭ ‬فيها‭ ‬جهود‭ ‬الأسرة‭ ‬مع‭ ‬حزم‭ ‬الإدارة‭ ‬التعليمية‭ ‬وتطور‭ ‬التقنية‭. ‬انتفاضة‭ ‬تعيد‭ ‬للمعلم‭ ‬هيبته‭ ‬المفقودة،‭ ‬وللاجتهاد‭ ‬قيمته‭ ‬العليا،‭ ‬وتضمن‭ ‬لكل‭ ‬طالب‭ ‬حقه‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬شريفة‭ ‬تصنع‭ ‬مستقبلاً‭ ‬مبنياً‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أوهام‭ ‬النجاح‭ ‬المزيف‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى