
أين يكمن الخلل البنيوي؟،كيف تتم هذه الاختراقات ومن يقف وراءها؟ والأهم من ذلك؛ كيف تحولتْ هذه التجاوزات من سلوك فردي منبوذ ومُجرّم، إلى ممارسة شبه مقبولة مجتمعياً؟.
نبحث في هذا التحقيق عن إجابات شافية وجريئة، عبر تشريح أبعاد الظاهرة مع التربويين، وأولياء الأمور، والمختصين، سعياً لإنقاذ ما تبقى من هيبة التعليم.
أسباب الظاهرة.. لماذا يتكرر المشهد ؟
تبدأ القصة من الضغوط المركبة والمفاهيم المغلوطة للنجاح. تعزو المهندسة عبير محمد أبوزقية، تجذر المشكلة إلى غياب الرادع القانوني الصارم الذي يوازي حجم الجريمة التعليمية، وتحوَّل الامتحانات إلى معركة «مصيرية» وحيدة تحدد مسار حياة الطالب، مما يولد ضغطاً نفسياً هائلاً يدفع الطلاب وعائلاتهم للبحث عن طوق نجاة بأي ثمن، حتى وإن كان عبر وسائل غير مشروعة. وتتفق معها المهندسة ليلى أحمد الفزاني، محملة المسؤولية لضعف التحصيل الدراسي التراكمي، وغياب الاستعداد الذهني المبكر، فضلاً عن توظيف بعض «ضعاف النفوس» لمراكزهم وعلاقاتهم الإدارية لتسهيل التجاوزات وتمرير أسئلة الامتحانات.
بيد أن الأزمة أعمق من مجرد قصور أكاديمي، أو تسيب إداري؛ إنها أزمة تضرب في صميم البناء الأخلاقي.
يصف الدكتور محمد عبد الرحمن الفيتوري المشهد بـ «الانهيار القيمي»”. أن اختزال المشكلة في الجوانب التقنية أو الإدارية وحدها يغفل جانباً أكثر خطورة يتمثل في تحوَّل الغش إلى أزمة قيمية ومجتمعية.
ويؤكد أن الخطر الأكبر يكمن في انتقال الغش لدى بعض الفئات من سلوك مرفوض إلى ممارسة يتم تبريرها تحت مسميات مختلفة الأمر الذي أضعف قيمة الاستحقاق العلمي وأثر في نظرة بعض الطلاب والأسر إلى التعليم.
ويشير الفيتوري إلى أن استمرار الظاهرة يعكس خللاً أعمق في المنظومة التربوية والثقافية؛ حيث تراجعت قيمة العلم الحقيقي في بعض البيئات لصالح البحث عن الشهادة والنتيجة فقط، بغض النظر عن مستوى التحصيل أو الكفاءة.
وتلتقط الأستاذة ليلى جمعة ولية أمر، خيط المسؤولية لتوزعه بعدالة بين المدرسة والبيت. وترى أن اكتفاء بعض الآباء بانتظار النتيجة النهائية في نهاية العام دون الانخراط في متابعة يومية حقيقية، يخلق فجوة عميقة تضعف دافعية الطالب نحو التعلم الحقيقي.
وفي السياق ذاته، تحذر المعلمة وصال البريكي من ارتدادات الضغط النفسي الذي تمارسه الأسرة لتحقيق درجات عالية بأي وسيلة، وهو ما يترافق مع ضعف الوعي بقيم النزاهة الأكاديمية.
من داخل اللجان إلى الفضاء الرقمي..كيف تتم الاختراقات؟
تجاوزت أساليب الغش القصاصات الورقية المخبأة والأساليب التقليدية البالية، لتقتحم عصر الرقمنة من أوسع أبوابه.
يؤكد الأستاذ محمد الشفتري، أن الهواتف الذكية، والساعات الإلكترونية المدمجة، وسماعات الأذن المتناهية الصغر، حوَّلت قاعات الامتحان إلى بؤر متصلة بالفضاء الإلكتروني الخارجي. في غضون ثوانٍ معدودة من توزيع ورقة الأسئلة، يتم تصويرها وبثها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي لتتدفق الإجابات النموذجية إلى الطلاب في قاعاتهم. مشهد سريالي يغذيه الخوف من تدني النتائج، وانتشار ثقافة «النجاح السريع بأقل جهد مُمكِن».
هذا الاختراق التقني يقابله وتدْعمه ثغرات في دورة حياة ورقة الامتحان. تنبه الأستاذة فاطمة دراويل إلى أن المراحل الممتدة من إعداد الأسئلة، مروراً بالطباعة، وصولاً إلى التوزيع والنقل للمدارس، تعاني من هشاشة تنظيمية تفتح الباب واسعاً أمام مسربي الامتحانات. وتشاركنا فاطمة إحباط طفلها في مرحلة التعليم الأساسي، الذي يلاحظ بأم عينيه تساهلاً وغضاً للطرف في بعض المدارس الخاصة التي تبحث عن نسب نجاح وهمية للتسويق التجاري، مقابل صرامة مفرطة تُطبق على طلاب المدارس العامة.
المفارقة تتسع لتشمل تبايناً حاداً ومقلقاً بين اللجان الامتحانية.
بشجاعة بالغة، تتحدث الطالبة فوزية جبران عن واقع مؤلم؛ حيث تشهد بعض لجان البنين حالات غش جماعي مفتوحة ينجح فيها الأغلبية دون عناء، بينما تُفرض رقابة حديدية لا مساومة فيها على لجان البنات، ما يوقع الكثيرات في فخ الرسوب غير العادل.
لكن هذه الرقابة الصارمة لها ثمن باهظ وتضحيات جسيمة.
تكشف فوزية أن شقيقتها المعلمة تعرضت لكسر في ذراعها إثر اعتداء جسدي عنيف من طالب منعته من الغش.
هذه الحادثة الصادمة نشرت الرعب بين أوساط المعلمات، ودفعتهن مرغمات للتغاضي عن التجاوزات خوفاً على سلامتهن الجسدية، أو خشية التعرض لسياراتهن بالتخريب.
واقع مظلم يؤكده الموجه التربوي المتقاعد الحسين المرادي.
موضحًا أن المراقب يجد نفسه غالباً أعزل ووحيدًا في مواجهة ضغوط اجتماعية وتهديدات لفظية وبدنية، ما يضطره -أمام غياب الحماية الأمنية والإدارية- لشراء سلامته بالصمت والتجاهل.
الطالب المجتهد .. ضحية بلا ذنب يدفع فاتورة الفوضى
وسط هذه الفوضى العارمة وتصارع الإرادات، يقف الطالب المجتهد وحيداً ليدفع الفاتورة الباهظة.
يروي الطالب أحمد البركي كيف عزل نفسه لشهور، ملتزماً بجدول مراجعة مرهق ومكثف تلبية لتوجيهات والدته، باحثاً عن تفوق مستحق يعكس سهره وتعبه. غير أن مشهد التجاوزات الفاضحة والممارسات غير العادلة التي حاوطته داخل لجنته الامتحانية حطم عزيمته في لحظات، وتركه غارقاً في الإحباط وتساؤلات مريرة حول جدوى الاجتهاد والمثابرة في منظومة لا تكفل العدالة ولا تحمي حقوق المتميزين.
وتحذر الأختصاصية الاجتماعية زينب الساكت من هذه الانتكاسة النفسية العميقة. فالغش لا يسرق الدرجات فحسب، بل يغتال ثقة الطالب في نزاهة التقييم ومصداقية المؤسسة التعليمية، ويطفئ شعلة الشغف بداخله. عندما يرى المجتهد أقرانه المهملين يتفوقون عليه بطرق ملتوية، تتشوه لديه مفاهيم العدالة والاستحقاق، وقد يتحول مستقبلاً إما إلى شخص ناقم على المجتمع، أو ينخرط هو نفسه في دائرة الفساد بعد أن فقد الإيمان بقيمة العمل الجاد.
نحو امتحانات أكثر نزاهة
حلول تتجاوز جدران القاعات
تشخيص الداء بموضوعية يقود حتمًا إلى صياغة وصفات العلاج الناجعة. يطرح الخبراء حزمة حلول متكاملة تتجاوز مجرد الحراسة الأمنية التقليدية. تقترح المهندسة عبير أبوزقية إحداث ثورة إدارية وتقنية عبر تأسيس «بنك رقمي للأسئلة»، وإنتاج نماذج امتحانية متعددة ومتباينة لنفس المادة، مع ربط قاعات الامتحان بغرف عمليات مركزية مزودة بكاميرات مراقبة، وتقليص المسافة الزمنية بين طباعة الأوراق وتوزيعها إلى الحد الأدنى لقطع الطريق على المهربين.
ويدعم الناشط المدني الدكتور محمد سعيد ساسي هذا التوجه بقوة، مشدداً على ضرورة تنويع الأسئلة جذرياً داخل اللجنة الواحدة وبشكل عشوائي، لضرب الجدوى العملية لتسريب الإجابات عبر المجموعات الإلكترونية وجعلها عديمة النفع.
أما المفتش التربوي المتقاعد أسامة مفتاح، فيضع حماية صانع الأجيال في صدارة الأولويات. ويؤكد بلغة حاسمة أن أي خطة للإصلاح ستنهار وتصبح حبراً على ورق إن لم تضمن الدولة بيئة آمنة للمراقبين والمعلمين، تدعمهم بقوة إدارياً وقانونياً وأمنياً لتطبيق اللوائح بصرامة وحياد دون خوف من الانتقام. ويترافق ذلك بالضرورة مع تحديث المناهج لتعتمد على الفهم والتحليل بدلاً من التلقين والحفظ، وتكثيف برامج التدريب المستمر للمعلمين.
وفي مقاربة وقائية ومجتمعية ملهمة، يدعو المهندس محمد زايد، إلى إعادة صياغة المناهج لتصبح تجربة التعلم بحد ذاتها رحلة جاذبة وممتعة. ويستشهد بنماذج الإصرار الخالصة لكبار السن في فصول محو الأمية، كدليل حي ورسالة للأجيال الشابة بأن حب المعرفة يجب أن يكون الدافع الحقيقي للتعلم، لا مجرد الركض وراء الدرجات. ويتقاطع هذا الطرح مع الجهود الحثيثة لوزارة التربية والتعليم في فرض الانضباط وصون القيم التربوية عبر المتابعة الميدانية الصارمة للمدارس.
خاتمة المطاف
لا تقتصر معركة حماية الامتحانات على تأمين أوراق مطبوعة بأسئلة عابرة، بل هي حماية مباشرة للأمن القومي الفكري، وضمانة حقيقية لمستقبل الأجيال القادمة.
إن القضاء على ظاهرة الغش والتسريب لا يمكن أن ينجح بقرارات فوقية متفرقة، بل يستوجب انتفاضة مجتمعية وأخلاقية شاملة، تتكاتف فيها جهود الأسرة مع حزم الإدارة التعليمية وتطور التقنية. انتفاضة تعيد للمعلم هيبته المفقودة، وللاجتهاد قيمته العليا، وتضمن لكل طالب حقه الأصيل في منافسة شريفة تصنع مستقبلاً مبنياً على الكفاءة الحقيقية، لا على أوهام النجاح المزيف.



