التعليمالرئيسية

أيقونات تربوية .. سعاد لاغا.. من رمال مرزق إلى قمة الهرم الرقمي العالمي

منى الشريدي

حينما‭ ‬تُعيد‭ ‬العزيمة‭ ‬صياغة‭ ‬المستحيل‭: ‬رحلة‭ ‬ليبية‭ ‬تُطوع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لخدمة‭ ‬المعرفة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المسافة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬قاعات‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مرزق‭ ‬بجنوب‭ ‬ليبيا،‭ ‬وبين‭ ‬أروقة‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬جوجل‮»‬‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬مجرد‭ ‬رحلة‭ ‬مكانية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مساراً‭ ‬طويلاً‭ ‬من‭ ‬الإصرار‭ ‬والتحوَّل‭ ‬الرقمي‭ ‬المبدع‭ ‬الذي‭ ‬قادته‭ ‬الأستاذة‭ ‬التربوية‭ ‬سعاد‭ ‬المهدي‭ ‬لاغا،‭ ‬لتصبح‭ ‬اليوم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬240‭ ‬قائداً‭ ‬للتغيير‭ ‬الرقمي‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وأحد‭ ‬الأصوات‭ ‬الأربعة‭ ‬الممثلة‭ ‬لشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المحفل‭ ‬التقني‭ ‬الدولي‭.‬

بدايات‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬التحدي

بدأتْ‭ ‬حكاية‭ ‬سعاد‭ ‬لاغا‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية،‭ ‬حينما‭ ‬تخرجتْ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬سبها‭ ‬تخصص‭ ‬كيمياء،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬فجوة‭ ‬تعليمية‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬المناهج‭ ‬النظرية‭ ‬التقليدية‭ ‬واحتياجات‭ ‬الجيل‭ ‬الصاعد‭. ‬وبدعمٍ‭ ‬جوهري‭ ‬من‭ ‬والدتها،‭ ‬السيدة‭ ‬عائشة‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬لاغا‭ -‬أحد‭ ‬رموز‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬مرزق‭-‬،‭ ‬قررتْ‭ ‬‮«‬لاغا‮»‬‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬معلمة‭ ‬تلقينية؛‭ ‬بل‭ ‬استثمرت‭ ‬توفر‭ ‬‮«‬الإنترنت‮»‬‭ ‬المبكر‭ ‬في‭ ‬مدينتها‭ ‬لتحويل‭ ‬مادة‭ ‬الكيمياء‭ ‬من‭ ‬معادلات‭ ‬جافة‭ ‬إلى‭ ‬تجارب‭ ‬تفاعلية‭ ‬ورسوم‭ ‬متحركة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬منصات‭ ‬علمية‭ ‬دولية‭ ‬لصقل‭ ‬مهاراتها‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭.‬

نحو‭ ‬الريادة‭ ‬الرقمية

لم‭ ‬تتوقف‭ ‬طموحات‭ ‬‮«‬لاغا‮»‬‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬فصلها‭ ‬الدراسي،‭ ‬بل‭ ‬امتدتْ‭ ‬لتشمل‭ ‬تطوير‭ ‬البيئة‭ ‬التعليمية‭ ‬برمتها؛‭ ‬حيث‭ ‬حازت‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ )‬المعلم‭ ‬المتميز‭( ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬‮«‬2013‭-‬2014‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬انتقلتْ‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التأسيس‭ ‬المؤسسي‭ ‬بإطلاق‭ ‬أول‭ ‬منصة‭ ‬رقمية‭ ‬ليبية‭ ‬متخصَّصة‭ ‬في‭ ‬تدريب‭ ‬المعلمين،‭ ‬والتي‭ ‬توجتْ‭ ‬لاحقاً‭ ‬بإنشاء‭ ‬منصة‭ )‬مداد‭ ‬القلم‭(‬،‭ ‬التي‭ ‬قدمتْ‭ ‬خدماتها‭ ‬التطوعية‭ ‬لأغلب‭ ‬مناطق‭ ‬ليبيا‭ ‬بنسبة‭ ‬95‭% ‬بالمجان،‭ ‬رغم‭ ‬شُح‭ ‬الإمكانات‭ ‬والدعم‭ ‬الحكومي‭.‬

هذا‭ ‬العطاء‭ ‬التراكمي،‭ ‬الذي‭ ‬دعمتْ‭ ‬فيه‭ ‬خبرتها‭ ‬العملية‭ ‬بدرجة‭ ‬الماجستير‭ ‬المهني‭ ‬من‭ ‬ماليزيا،‭ ‬جعلها‭ ‬اسماً‭ ‬لامعاً‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التعليمية،‭ ‬ليعترف‭ ‬العالم‭ ‬بهذا‭ ‬التميز‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختيارها‭ ‬‮«‬كوتش‮»‬‭ ‬ومدرباً‭ ‬متخصصاً‭ ‬ضمن‭ ‬فريق‭ ‬‮«‬جوجل‮»‬‭ ‬العالمي‭ ‬لإحداث‭ ‬التغيير‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬اعتمادها‭ ‬سابقاً‭ ‬كعضو‭ ‬هيئة‭ ‬تدريس‭ ‬في‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬جيميني‮»‬‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

تكريمٌ‭ ‬يليق‭ ‬بمسيرة‭ ‬إلهام

احتفاءً‭ ‬بهذا‭ ‬المنجز‭ ‬الذي‭ ‬رفع‭ ‬اسم‭ ‬ليبيا‭ ‬عاليًا،‭ ‬أقام‭ ‬مجلس‭ ‬أعيان‭ ‬مرزق‭ ‬حفلاً‭ ‬تكريمياً‭ ‬في‭ ‬‮«‬دار‭ ‬الفنون‮»‬‭ ‬بطرابلس،‭ ‬شهد‭ ‬حضوراً‭ ‬نخبويًا‭ ‬واسعاً،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بالمنصب‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تقلدته‭ ‬‮«‬لاغا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬لتقدير‭ ‬قصة‭ ‬كفاحٍ‭ ‬وطني‭ ‬أثبتتْ‭ ‬أن‭ ‬الإرادة‭ ‬الليبية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬العصر‭ ‬وقيادة‭ ‬تحولاته‭.‬

إن‭ ‬تجربة‭ ‬أ‭. ‬سعاد‭ ‬لاغا‭ ‬تتجاوز‭ ‬كونها‭ ‬نجاحاً‭ ‬فردياً،‭ ‬فهي‭ ‬رسالة‭ ‬ملهمة‭ ‬تؤكد‭ ‬أنّ‭ ‬الإيمان‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬وتطويع‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقمية‭ ‬مهما‭ ‬كانتْ‭ ‬الصعوبات،‭ ‬كفيلٌ‭ ‬بصناعة‭ ‬قامات‭ ‬تربوية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بعبور‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬مستقبل‭ ‬التعليم‭ ‬العالمي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى