الاولىالرئيسية

انعكاسات الانقسام السياسي على يوميات الليبيين ليبيا في فخ الانقسام.. تنمية مشلولة.. هوية مهددة.. ومواطن يدفع الثمن

وداد الجعفري

‭ ‬كما‭ ‬أسفرتْ‭ ‬الأزمةُ‭ ‬عن‭ ‬تغيرات‭ ‬ديموغرافية‭ ‬ضاغطة،‭ ‬تمثلتْ‭ ‬في‭ ‬النزوح‭ ‬الداخلي‭ ‬نحو‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬فاقم‭ ‬البطالة،‭ ‬وغيّب‭ ‬التنمية‭ ‬المتوازنة‭..‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المعقد،‭ ‬تتباين‭ ‬الرؤى‭ ‬حول‭ ‬مسارات‭ ‬الحل؛‭ ‬بين‭ ‬مطالبٍ‭ ‬بإصلاحاتٍ‭ ‬تعزَّز‭ ‬اللامركزية،‭ ‬والعدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد،‭ ‬وآخرين‭ ‬يدعون‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الدولة‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬واقعها‭. ‬ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التباين،‭ ‬يظل‭ ‬طموح‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬ثابتًا‭ ‬في‭ ‬التطلع‭ ‬للاستقرار‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم،‭ ‬ما‭ ‬يُحتّم‭ ‬إطلاق‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬جامع‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬الثقة،‭ ‬ويصون‭ ‬وحدة‭ ‬البلاد‭.. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬نرصد‭ ‬انعكاسات‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬يوميات‭ ‬الليبيين،‭ ‬عبر‭ ‬استعراض‭ ‬آراء‭ ‬مختصين‭ ‬ومواطنين،‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة،‭ ‬واستشراف‭ ‬مسارات‭ ‬التعافي‭ ‬لبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬مستقر‭.‬

الجنوب‭ ‬الليبي‭ .. ‬

فاتورة‭ ‬مضاعفة‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬والأزمات

في‭ ‬قراءة‭ ‬جردة‭ ‬الحساب‭ ‬هذه،‭ ‬يصف‭ ‬أ‭.‬أبوبكر‭ ‬محمد‭ ‬علي،‭ ‬عضو‭ ‬المؤسسين‭ ‬للقوى‭ ‬الوطنية،‭ ‬واقع‭ ‬المنطقة‭ ‬الجنوبية‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬المرير‮»‬،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬التجاذبات‭ ‬السياسية‭ ‬تركتْ‭ ‬ظلالاً‭ ‬سلبية‭ ‬متسارعة‭ ‬على‭ ‬الجنوب‭ ‬بمختلف‭ ‬الصُعد‭. ‬ويرى‭ ‬‮«‬علي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬معاناة‭ ‬الجنوب‭ ‬مضاعفة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالشرق‭ ‬والغرب؛‭ ‬إذ‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬والتاجر‭ ‬نفسه‭ ‬مجبراً‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬قرارات‭ ‬متضاربة‭ ‬لجهتين‭ ‬تنفيذيتين،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬ارتباكاً‭ ‬إدارياً‭ ‬حاداً‭ ‬وغلاءً‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

سياسياً،‭ ‬يحذّر‭ ‬‮«‬علي‮»‬‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬حضور‭ ‬ممثلي‭ ‬الجنوب‭ ‬وتهميش‭ ‬كفاءاته‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬صُنع‭ ‬القرار‭ ‬لصالح‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬وهيمنة‭ ‬نفوذ‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أضعف‭ ‬صوت‭ ‬المنطقة‭ ‬استراتيجياً‭. ‬وينعكس‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬على‭ ‬الأرض؛‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تشفع‭ ‬الخطوات‭ ‬الإيجابية‭ ‬‮«‬لكن‭ ‬غير‭ ‬الكافية‮»‬‭ ‬لصندوق‭ ‬التنمية‭ ‬وإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬في‭ ‬سد‭ ‬العجز‭ ‬الخدمي،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬المستشفيات‭ ‬تعاني‭ ‬نقصاً‭ ‬حاداً‭ ‬يضطر‭ ‬الأهالي‭ ‬للسفر‭ ‬الطويل‭ ‬طلباً‭ ‬للعلاج،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تداعيات‭ ‬الانقسام‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬الأمني‭.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬المركبة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬نزوح‭ ‬عائلات‭ ‬عديدة‭ ‬نحو‭ ‬مدن‭ ‬الشمال،‭ ‬في‭ ‬وقتٍ‭ ‬يواجه‭ ‬فيه‭ ‬الجنوب‭ ‬منفرداً‭ ‬أعباء‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬كونه‭ ‬‮«‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬للبلاد‭ ‬عبر‭ ‬حدود‭ ‬شاسعة‭ ‬ومفتوحة‭.‬

ويختتم‭ ‬حديثه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الجنوب‭ ‬بات‭ ‬يشعر‭ ‬بالإقصاء‭ ‬رغم‭ ‬ثقله‭ ‬الوطني،‭ ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الانقسام‭ ‬وتوحيد‭ ‬المؤسسات‭ ‬لضمان‭ ‬العدالة،‭ ‬ومنح‭ ‬أبناء‭ ‬الجنوب‭ ‬دوراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬المستقبل‭ ‬كشريك‭ ‬أصيل‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬يُستدعى‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭.‬

أزمة‭ ‬هوية‭ ‬وشرخ‭ ‬نفسي‭..‬

‭ ‬الانقسام‭ ‬يهدد‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬الليبيون‮»‬

من‭ ‬جانبها،‭ ‬تُحذر‭ ‬أ‭.‬لطيفة‭ ‬أبو‭ ‬خزام‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التداعيات‭ ‬الأخطر‭ ‬للانقسام‭ ‬تتجاوز‭ ‬حقول‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬لتضرب‭ ‬عمق‭ ‬البنية‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لليبيين‭. ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬التسويات‭ ‬السياسية‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬رأب‭ ‬الصدع‭ ‬الإداري،‭ ‬لكن‭ ‬الجراح‭ ‬النفسية‭ ‬ستظل‭ ‬غائرة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُدعم‭ ‬ببرامج‭ ‬مصالحة‭ ‬وطنية‭ ‬جادة؛‭ ‬إذ‭ ‬يسهم‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬وتكريس‭ ‬الانتماءات‭ ‬الجهوية‭ (‬شرقاوي،‭ ‬غرباوي،‭ ‬فزاني‭) ‬لتطغى‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الجامعة،‭ ‬مما‭ ‬يُنذر‭ ‬بتلاشي‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬الليبيون‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬هويات‭ ‬فرعية‭ ‬ضيقة‭ ‬كقبيلة‭ ‬أو‭ ‬مدينة‭.‬

وعلى‭ ‬الأرض،‭ ‬تُرجم‭ ‬هذا‭ ‬التشظي‭ ‬إلى‭ ‬اختلالات‭ ‬ديموغرافية‭ ‬حادة‭ ‬نتيجة‭ ‬النزوح‭ ‬وتكدس‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تفاقم‭ ‬أعباء‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭. ‬وفي‭ ‬مقاربة‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬المعاناة،‭ ‬تشير‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬خزام‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬شعور‭ ‬أبناء‭ ‬إقليم‭ ‬‮«‬فزان‮»‬‭ ‬بالتهميش‭ ‬التنموي‭ ‬والسياسي‭ ‬وكأنهم‭ ‬‮«‬مواطنون‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثانية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بضرب‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬شكلوا‭ ‬تاريخياً‭ ‬حاضنةً‭ ‬للوحدة‭ ‬الوطنية‭.‬

وتختتم‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬خزام‮»‬‭ ‬حديثها‭ ‬بمفارقة‭ ‬مريرة؛‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تمتلك‭ ‬ليبيا‭ ‬مقوماتٍ‭ ‬جيوسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬هائلة،‭ ‬تقف‭ ‬الصراعاتُ‭ ‬والمصالح‭ ‬الضيقة‭ ‬حائلاً‭ ‬دون‭ ‬استثمارها،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬شديد‭ ‬التعقيد‭ ‬تُشبهه‭ ‬بالمراحل‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية؛‭ ‬حيث‭ ‬تُهدر‭ ‬فرص‭ ‬النهوض‭ ‬لصالح‭ ‬استمرار‭ ‬الفوضى‭.‬

شلل‭ ‬تنموي‭ ‬ومتاهة‭ ‬إدارية

ودعوة‭ ‬لهيكلة‭ ‬تلامس‭ ‬الواقع

من‭ ‬مدينة‭ ‬غدامس،‭ ‬تلتقط‭ ‬الصحفية‭ ‬فاطمة‭ ‬الثني‭ ‬خيوط‭ ‬الأزمة،‭ ‬مؤكدةً‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬شخصية‭ ‬أن‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬أصاب‭ ‬عصب‭ ‬التنمية‭ ‬بشلل‭ ‬شبه‭ ‬تام؛‭ ‬إذ‭ ‬أثّر‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬الطاقة‭ ‬وأوقف‭ ‬المشروعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬كإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية‭.‬

ولم‭ ‬يقف‭ ‬النزيف‭ ‬عند‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬وسّع‭ ‬الفجوة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بين‭ ‬شرق‭ ‬البلاد‭ ‬وغربها،‭ ‬وأربك‭ ‬منظومة‭ ‬العمل‭ ‬الإداري‭ ‬والأمني‭.‬

وتسوق‭ ‬‮«‬الثني‮»‬‭ ‬مثالاً‭ ‬حيًّا‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬مهنتها؛‭ ‬حيث‭ ‬يتكبد‭ ‬الصحفيون‭ ‬والمواطنون‭ ‬عناءً‭ ‬مضاعفًا‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬المعلومة‭ ‬الرسمية‭ ‬المشتتة‭ ‬بين‭ ‬جهات‭ ‬ومنصات‭ ‬حكومية‭ ‬متضاربة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حالة‭ ‬التخبط‭ ‬المؤسسي‭ ‬وهدر‭ ‬الوقت‭.‬

وللخروج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدوامة،‭ ‬وحماية‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬ويلات‭ ‬الصراع،‭ ‬تدعو‭ ‬‮«‬الثني‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تشخيص‭ ‬جذور‭ ‬الأزمة‭ ‬بشفافية،‭ ‬مقترحةً‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬الدولة‭ ‬وآليات‭ ‬إدارتها‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬رقعتها‭ ‬الجغرافية‭. ‬كما‭ ‬تشدّد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬خلق‭ ‬آليات‭ ‬تعاون‭ ‬لتسهيل‭ ‬حركة‭ ‬المواطنين‭ ‬وتنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الأقاليم،‭ ‬تضع‭ ‬حدًا‭ ‬للقطيعة‭ ‬وتؤسس‭ ‬لاستقرار‭ ‬مستدام‭ ‬يخدم‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭. ‬

نزوح‭ ‬باتجاه‭ ‬المدن‭ ‬الأقوى‭ ‬اقتصاديًا

ويرى‭ ‬المحلل‭ ‬السياسي‭ ‬‮«‬حسام‭ ‬الدين‭ ‬العبدلي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬انهيار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتضخم‭ ‬المالي‭ ‬وذوبان‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬وظهور‭ ‬الطبقية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬تفحش‭ ‬النظام‭ ‬الرأس‭ ‬مالي‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬2011‭ ‬حاولتْ‭ ‬الثلة‭ ‬الحاكمة،‭ ‬والمصرف‭ ‬المركزي‭ ‬التقليص‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬البلاد‭.‬

ويستدرك‭ ‬‮«‬العبدلي‮»‬‭ ‬قائًلا‭:‬‭ ‬لكن‭ ‬للأسف‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬ذلك‭ ‬تدريجيًا‭ ‬مما‭ ‬أصاب‭ ‬السوق‭ ‬بصدمه‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬الليبي‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الإجراءات‭ ‬الخاطئة‭ ‬من‭ ‬عطاء‭ ‬الاعتمادات‭ ‬الوهمية‭ ‬دون‭ ‬شفافية‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬الحاويات‭ ‬الفارغة‭ ‬واستنزاف‭ ‬العُملة‭ ‬والمضاربة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬السوداء‭..‬ويلفت‭ ‬‮«‬العبدلي‮»‬‭:‬‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬انهارت‭ ‬العملة‭ ‬وفقدت‭ ‬المرتبات‭ ‬قيمتها‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬فيه‭ ‬قطاع‭ ‬خاص‭ ‬حقيقي‭ ‬وقانون‭ ‬ينظم‭ ‬عمل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭.. ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬حالات‭ ‬النزوح‭ ‬الداخلي‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬والأرياف‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬ومن‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الضعيفة‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬ذات‭ ‬اقتصاد‭ ‬أقوى‭ ‬مما‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬تداعيات‭ ‬وخيمه‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التوزيع‭ ‬الجغرافي‭ ‬لأعداد‭ ‬التركيبة‭ ‬السكانية‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬وأماكن‭ ‬فيها‭ ‬ثروات‭ ‬وأيضًا‭ ‬وجود‭ ‬تكتلات‭ ‬سكانية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬المساحات‭ ‬الشاسعة‭ ‬ومترامية‭ ‬الأطراف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اعتداءات‭ ‬أو‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭ ‬سببها‭ ‬النزاعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬الصراعات‭ ‬والمؤامرات‭ ‬الدولية‭.‬

دراسة‭ ‬حالة‭ ‬للتشظي

‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي

ولأنَّ‭ ‬الإعلام‭ ‬عادة‭ ‬يكون‭ ‬القاطرة‭ ‬التي‭ ‬تجرها‭ ‬عربة‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬يُقحم‭ ‬وينساق‭ ‬ويتشظى‭ ‬ويصطف‭ ‬ويتورط‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والصراع‭ ‬الجاري‭.. ‬وليس‭ ‬غريبًا‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬إعلامنا‭ ‬الليبي،‭ ‬في‭ ‬أدوار‭ ‬ومواقع‭ ‬ومواضع‭ ‬متعددة‭.. ‬فنجده‭ ‬الضحية‭ ‬والجلاد‭ ‬والمتهم‭ ‬والمضلل‭ ‬والمحرض‭ ‬والمغازل‭ ‬للسلطة‭ ‬و«الزمزاك‮»‬‭ ‬لدرجة‭ ‬القرف‭.. ‬ودائمًا‭ ‬نُكبر‭ ‬الدور‭ ‬المسؤول‭ ‬والمهني‭ ‬لوسائل‭ ‬إعلامنا‭… ‬وصحيفة‭ )‬فبراير‭( ‬وهي‭ ‬منهمكة‭ ‬في‭ ‬التحضير‭ ‬لهذا‭ ‬التحقيق‭ ‬طالعتنا‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الليبية‭ ‬الخميس‭ ‬11‭ ‬يونيو‭ ‬الجاري‭ ‬بخبر‭ ‬مناقشة‭ ‬رسالة‭ ‬ماجستير‭ ‬بمقر‭ ‬المدرسة‭ ‬العليا‭ ‬الخاصة‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬وإدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬العاصمة،‭ ‬مقدمة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مديرها‭ ‬العام‭ ‬الزميل‭ ‬الصحفي‭ ‬‮«‬إبراهيم‭ ‬هدية‮»‬‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬أثر‭ ‬العامل‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الإعلام‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‮»‬‭ ‬دراسة‭ ‬حالة‭..‬ولأن‭ ‬عنوان‭ ‬رسالة‭ ‬‮«‬هدية‮»‬‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬موضوعنا‭ ‬المطروح«انعكاسات‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬يوميات‭ ‬الليبيين‮»‬‭ ‬ويتطرق‭ ‬فيها‭ ‬لتداعيات‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬‮«‬الإعلام‭ ‬الليبي‮»‬‭ ‬وتحديدًا‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الليبية‭.. ‬حيث‭ ‬تناولت‭ ‬رسالته‭ ‬تأثير‭ ‬العامل‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬أبعاد‭ ‬رئيسة‭: ‬هي‭ ‬الاستقلال‭ ‬الإداري‭ ‬والسياسة‭ ‬التحريرية،‭ ‬والضغوط‭ ‬المهنية،‭ ‬والاستقرار‭ ‬المؤسسي‭.. ‬وخلصت‭ ‬دراسته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬السياسي‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المتغيرات‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الليبية‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬انعكس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الإدارية‭ ‬والتحريرية‭ ‬والمهنية‭ ‬للمؤسسة،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬تأثير‭ ‬التمويل‭ ‬والتعيينات‭ ‬والسياسات‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭.‬

من‭ ‬الفوضى‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬

حقبة‭ ‬التوازي‭ ‬المؤسسي‭ ‬

في‭ ‬رسالته‭ ‬للماجستير‭ ‬المعنونة‭ ‬بـ‭ )‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬وأثره‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.. ‬دراسة‭ ‬حالة‭ ‬ليبيا‭(.. ‬يتتبع‭ ‬الباحث‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬فرج‭ ‬عبدالقادر‮»‬‭ ‬مراحل‭ ‬الانقسام،‭ ‬مروراً‭ ‬بفترة‭ ‬الفوضى‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬صعود‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة،‭ ‬ووصولا‭ ‬إلى‭ ‬حقبة‭ ‬التوازي‭ ‬المؤسسي‭ ‬بين‭ ‬مجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والأعلى‭ ‬للدولة‭.. ‬كما‭ ‬يتناول‭ ‬العوامل‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬التي‭ ‬غذت‭ ‬هذا‭ ‬التشرذم؛‭ ‬من‭ ‬تداخل‭ ‬المصالح‭ ‬القبلية‭ ‬والجهوية،‭ ‬إلى‭ ‬التدخلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬التي‭ ‬دعمت‭ ‬أطرافًا‭ ‬متعددة‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬القطيعة‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭.. ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الليبي‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مفاهيمية‭ ‬منهجية،‭ ‬فيستهل‭ ‬بعرض‭ ‬دقيق‭ ‬لتعريف‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬وفق‭ ‬المراجع‭ ‬النظرية،‭ ‬مع‭ ‬إبراز‭ ‬أبعاده‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭. ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬يحلل‭ ‬الباحث‭ ‬مكونات‭ ‬هذا‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬والسواحل،‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬مثل‭ ‬الموانئ‭ ‬ومصافي‭ ‬النفط،‭ ‬مروراً‭ ‬بضمان‭ ‬السلامة‭ ‬المجتمعية،‭ ‬ويبين‭ ‬كيف‭ ‬أصبح‭ ‬كل‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ ‬عرضة‭ ‬للتهديد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الشلل‭ ‬المؤسساتي‭ ‬وفقدان‭ ‬سيادة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭. ‬ثم‭ ‬يستعرض‭ ‬التهديدات‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الليبي،‭ ‬مثل‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬الثقيلة‭ ‬بين‭ ‬المليشيا،‭ ‬وتهريب‭ ‬البشر‭ ‬والمخدرات،‭ ‬وتراجع‭ ‬سلطة‭ ‬القانون،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المخاطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الناشئة‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬قطاع‭ ‬النفط‭ ‬والقطاع‭ ‬المصرفي‭.‬وتستجلي‭ ‬الدراسة‭ ‬آثار‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬مستويات‭ ‬مترابطة‭: ‬الأثر‭ ‬السياسي‭ ‬والأثر‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والأثر‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والأثر‭ ‬الأمني‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى