
إن الحرم الجامعي، هذه الكلمة العظيمة، بدأ يفقد روعته ورونقه في هذه الأيام بسبب تزعزع العلاقة التي تربط الأستاذ بالطالب. ويعود هذا التصدع إلى اللامبالاة وفقدان الثقة، وبالتالي ضياع الاحترام الذي من المفترض أن يكون من أقوى الروابط داخل أسوار الجامعة. لذا، لا نبالغ إذا قلنا إن الحرم الجامعي فقد روحه كمنارة للأحترام والقداسة الفكرية التي نصل من خلالها إلى أسمى المراتب العلمية. ومن هنا، تبرز تساؤلات ملحة تراود الأفكار: كيف هي علاقة الأستاذ بالطالب الجامعي واقعياً، وكيف يفترض أن تكون؟ فهذه العلاقة بالغة الأهمية للطرفين، لاسيما وأنها تصنع المستقبل الآتي.
المادة العلمية كغذاء للروح
إذا نظرنا أولاً إلى المادة العلمية التي يتناولها الأستاذ ويبذل جهده لإيصالها، فهي بمثابة الأكل للجائع والدواء للمريض. ولابد أن تتضمن هذه المادة تنوع الواقع وتقدم الحقيقة المشبعة بالبراهين والأدلة العلمية الثابتة، لتكون كالبلسم الشافي. ولا يتحقق ذلك إلا بوجود أستاذ كفء ينقل المعلومة السليمة بدقة، فيجعل الطالب منغمساً بحواسه في أجواء المحاضرة، لا يغادرها إلا وعقله محمل بكل ما هو مفيد وذو قيمة.
مقومات الأستاذ الحقيقي
لابد أن يكون الأستاذ على قدر كبير من المعرفة والثقافة الشاملة لمختلف التخصصات، لا في مادته فحسب، ليوسع مدارك طلابه ولا يضع نفسه في مواقف محرجة. كما يجب أن يكون دارساً لعلم النفس والاجتماع والتربية؛ فهو هنا يمثل الأب والأخ والصديق قبل أن يكون محاضراً، لكي يتقرب من شخصيات طلابه ويعمل على اكتشاف إيجابياتهم وسلبياتهم. فعلاقة التدريس أكبر بكثير من مجرد إلقاء معلومات؛ فعلم النفس يمكن الأستاذ من سبر أغوار الطلبة ولمس جوانب في شخصياتهم تساعدهم على تجاوز الحواجز التي تعيق مستقبلهم.
وعليه أيضاً ألا يتعالى على الطلبة بحجة لقبه الأكاديمي، فمثل هذا الترفع يخلق سداً منيعاً يصعب إزالته. بل يجب أن ينتبه لفوارق القدرات والذكاء، فتكون محاضرته واضحة ومستوعبة للجميع، متمتعاً بحضور طاغٍ لا يكون فيه «الحاضر الغائب». إن فرض الشخصية الحقيقية يأتي بالهيبة المستمدة من الأسلوب والأفكار وسعة الثقافة، لا بالتخويف. ويا ليت بعض الدكاترة يتجاوزون دور «الإنسان الآلي» الذي ينحصر همه في تلقين المحاضرة وتقاضي الراتب نهاية الشهر، دون مبالاة بمدى استيعاب الطالب، مفرغين العملية التعليمية من روحها المفعمة بالمرح وخفة الظل.
مسؤولية الطالب وضمير الأستاذ
لا يقف الأمر عند الأستاذ وحده، بل للطالب حقوق وواجبات. فهناك من يأتي للجامعة لمجرد إثبات الحضور، أو للتسكع في الممرات بحثاً عن نزوات أو إثارة المشاكل. وفي المقابل، هناك طلاب جادون يبحثون عن العلم بصدق لتوسيع مداركهم وتقوية عقولهم، وهم أصحاب الطموح ورواد المستقبل الذين يستحقون كل احترام؛ فهناك شباب يدرسون بجد رغم فقرهم المدقع، يدخرون قروشهم ويحرمون أنفسهم لقمة العيش ودفء الشتاء ليشتروا بها كتاباً يقيهم جهل العمر كله.
ختاماً، إن علاقة الأستاذ بالطالب تحكمها بالدرجة الأولى الأخلاق والضمير؛ فهناك أساتذة يبقون منحوتين في الذاكرة مهما مر الزمن، وهناك آخرون يطويهم النسيان بمجرد مغادرة قاعة المحاضرة.
حسام الهمالي البرغوثي/ بني وليد
