التعليميةرأي

مركز التوثيق والمعلومات… هل أصبح مخزنًا للأرقام أم عقلًا لوزارة التعليم؟

محمد عبدالسلام

يمتلك‭ ‬مركز‭ ‬التوثيق‭ ‬والمعلومات‭ ‬بوزارة‭ ‬التعليم‭ ‬ثروة‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬سجلات‭ ‬وأرقام،‭ ‬بل‭ ‬كنز‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬حقيقي‭ ‬لمنظومة‭ ‬التعليم‭ ‬إذا‭ ‬أحسن‭ ‬استثماره‭. ‬فالبيانات‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬وسيلة‭ ‬للحفظ‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬للتحليل،‭ ‬والتخطيط،‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬ومعرفة‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬منطقة،‭ ‬وتحليل‭ ‬أسباب‭ ‬تدني‭ ‬الأداء،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬التخصصات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬فائضًا‭ ‬في‭ ‬الخريجين‭ ‬مقابل‭ ‬التخصصات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬عجزًا‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬الوزارة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬سياسات‭ ‬القبول‭ ‬والتوظيف،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬احتياجات‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬للمركز‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬دراسات‭ ‬دقيقة‭ ‬حول‭ ‬توزيع‭ ‬المدارس،‭ ‬والكثافة‭ ‬الطلابية،‭ ‬والاحتياجات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬ليكون‭ ‬إنشاء‭ ‬المدارس‭ ‬الجديدة‭ ‬مبنيًا‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬علمية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الاجتهادات‭ ‬أو‭ ‬العشوائية‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكشفه‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات‭: ‬من‭ ‬يشغل‭ ‬وظائف‭ ‬التعليم؟‭ ‬وهل‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬يؤدون‭ ‬دورهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬والارتقاء‭ ‬بها؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الوظائف‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬المرتب‭ ‬دون‭ ‬أثر‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التعليم؟‭ ‬إن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالتخمين،‭ ‬وإنما‭ ‬بتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬المركز‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يُعلن‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬أرقامًا‭ ‬عامة؛‭ ‬نحو‭ ‬637‭ ‬ألف‭ ‬موظف،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬5000‭ ‬مدرسة،‭ ‬و135‭ ‬مراقبة‭ ‬تعليم‭. ‬وهي‭ ‬إحصاءات‭ ‬يمكن‭ ‬استخراجها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير،‭ ‬بينما‭ ‬ينتظر‭ ‬الجميع‭ ‬مؤشرات‭ ‬وتحليلات‭ ‬ودراسات‭ ‬تساعد‭ ‬متخذي‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬الحقيقية‭.‬

وتبقى‭ ‬قضية‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬وهي‭ ‬ضياع‭ ‬أرشيف‭ ‬مستندات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬مركز‭ ‬التوثيق‭. ‬فإذا‭ ‬صحت‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة،‭ ‬فإنها‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬كبيرة‭ ‬حول‭ ‬منظومة‭ ‬حفظ‭ ‬البيانات‭ ‬وأمنها،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الإدارية‭ ‬والفنية‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬هذا‭ ‬الأرشيف،‭ ‬والخطط‭ ‬الموضوعة‭ ‬لاستعادته‭ ‬أو‭ ‬تعويضه‭. ‬فالأرشيف‭ ‬الوظيفي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ملفات‭ ‬ورقية‭ ‬أو‭ ‬إلكترونية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حقوق‭ ‬وظيفية‭ ‬وإدارية‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عرضة‭ ‬للفقد‭ ‬أو‭ ‬الإهمال‭.‬

إن‭ ‬الشفافية‭ ‬تقتضي‭ ‬توضيح‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬للرأي‭ ‬العام،‭ ‬وبيان‭ ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وما‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتُّخذت‭ ‬لمنع‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬مستقبلاً‭.‬

إن‭ ‬مركز‭ ‬التوثيق‭ ‬والمعلومات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بيت‭ ‬الخبرة‭ ‬الحقيقي‭ ‬لوزارة‭ ‬التعليم،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬جهة‭ ‬لحفظ‭ ‬البيانات‭ ‬وإصدار‭ ‬الإحصاءات‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تطورت‭ ‬تعليميًا‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬كثرة‭ ‬المعلومات،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬تحليلها،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬وسياسات‭ ‬تعالج‭ ‬المشكلات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفاقم‭.‬

فالبيانات‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬حبيسة‭ ‬الخوادم،‭ ‬وإنما‭ ‬قيمتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬فيما‭ ‬تصنعه‭ ‬من‭ ‬حلول،‭ ‬وما‭ ‬تقدمه‭ ‬من‭ ‬رؤية،‭ ‬وما‭ ‬ترسمه‭ ‬من‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬للتعليم‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى