
يمتلك مركز التوثيق والمعلومات بوزارة التعليم ثروة هائلة من البيانات والمعلومات، وهي ليست مجرد سجلات وأرقام، بل كنز يمكن أن يقود إلى إصلاح حقيقي لمنظومة التعليم إذا أحسن استثماره. فالبيانات الحديثة لم تعد وسيلة للحفظ فقط، وإنما أصبحت أداة للتحليل، والتخطيط، وصناعة القرار.
من خلال هذه البيانات يمكن تحديد مكامن الخلل في التعليم، ومعرفة الحلقة الأضعف في كل منطقة، وتحليل أسباب تدني الأداء، والكشف عن التخصصات التي تعاني فائضًا في الخريجين مقابل التخصصات التي تواجه عجزًا حقيقيًا، بما يساعد الوزارة على إعادة توجيه سياسات القبول والتوظيف، وتحقيق التوازن بين احتياجات المؤسسات التعليمية ومتطلبات سوق العمل.
كما يمكن للمركز أن يقدم دراسات دقيقة حول توزيع المدارس، والكثافة الطلابية، والاحتياجات المستقبلية، ليكون إنشاء المدارس الجديدة مبنيًا على أسس علمية لا على الاجتهادات أو العشوائية.
ومن أهم ما يجب أن تكشفه قواعد البيانات: من يشغل وظائف التعليم؟ وهل جميع العاملين يؤدون دورهم الحقيقي في بناء العملية التعليمية والارتقاء بها؟ أم أن بعض الوظائف تحولت إلى مجرد وسيلة للحصول على المرتب دون أثر ملموس في تطوير التعليم؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بالتخمين، وإنما بتحليل البيانات التي يمتلكها المركز.
ومع ذلك، فإن ما يُعلن للرأي العام لا يتجاوز أرقامًا عامة؛ نحو 637 ألف موظف، وأكثر من 5000 مدرسة، و135 مراقبة تعليم. وهي إحصاءات يمكن استخراجها في وقت قصير، بينما ينتظر الجميع مؤشرات وتحليلات ودراسات تساعد متخذي القرار على معالجة المشكلات الحقيقية.
وتبقى قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي ضياع أرشيف مستندات عدد من الموظفين من منظومة مركز التوثيق. فإذا صحت هذه الواقعة، فإنها تثير تساؤلات كبيرة حول منظومة حفظ البيانات وأمنها، والمسؤولية الإدارية والفنية عن حماية هذا الأرشيف، والخطط الموضوعة لاستعادته أو تعويضه. فالأرشيف الوظيفي ليس مجرد ملفات ورقية أو إلكترونية، بل هو حقوق وظيفية وإدارية لا يجوز أن تكون عرضة للفقد أو الإهمال.
إن الشفافية تقتضي توضيح ما حدث للرأي العام، وبيان من يتحمل المسؤولية، وما الإجراءات التي اتُّخذت لمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
إن مركز التوثيق والمعلومات يجب أن يكون بيت الخبرة الحقيقي لوزارة التعليم، لا مجرد جهة لحفظ البيانات وإصدار الإحصاءات. فالدول التي تطورت تعليميًا لم تعتمد على كثرة المعلومات، وإنما على حسن تحليلها، وتحويلها إلى قرارات وسياسات تعالج المشكلات قبل أن تتفاقم.
فالبيانات لا قيمة لها إذا بقيت حبيسة الخوادم، وإنما قيمتها الحقيقية فيما تصنعه من حلول، وما تقدمه من رؤية، وما ترسمه من مستقبل أفضل للتعليم.
