
كان عام «الهزّة» مثله في ذلك عام «الثلج» و«الهَجّة» و«الزينقو» وأعوام أخرى، حدثاً غير عادي في ليبيا، قبل الكثيرون به علامة يؤرخ بها، والسببُ أنه أحداث لم يألفها الليبيون إمّا لندرتها، أو لغرابتها بالنسبة لهم.
الغريب في الأمر أيضاً أنها ثابتة، حتى لو تكررت الظاهرة، فالمعنى دائماً يعود للمرة الأولى التي وقع الإشارة إليها.
الأحداث غير العادية لدينا عادة ما تؤرخ لحدثٍ مؤلمٍ، فلم يؤرخ بحدثٍ سعيدٍ، ربّما لكوننا شعبٌ كقلب «فهد بلاّن» مكتوب عليه «قلّة الراحة»!
لكوني محظوظ بمعايشة أحداث مؤلمة كثيرة، رأيتُ من الواجب أن يدخل عام «البانقا» التاريخ، فنحنُ لم نعطها حقها عندما ظهرت أول مرة منذُ عقود وهي تتأرجح جيئة وذهاباً بين مساكننا وآبار «الميّة الحلوة» بعد أن كانت صنابيرنا تتدفق ماءً أُجاجاً.
)البانقا( المسكينة
كانتْ تروي عطشنا في صبرٍ وصمتٍ، تشاركننا معاناة يومية، وكأنّما هي فردٌ من العائلة.
أعترف لكم أنني أيضاً وجدتُ الاسم غريباً عند سماعه أولّ مرة، ولم أعرف للكلمة مصدرًا موثوقًا، محليّ كان أم أجنبي، تقديراً لها دخلت رحّب الليبيون بها أيما ترحيب، لتأخذ مكاناً مميزاً في لهجتنا المحليّة، حتى أني عجزتُ أن أجد لها مرادفاً مناسباً.
وككل الأوفياء، لم تتخل عنّا في الأوقات الصعبة، وعاندت شاعرنا العربي الذي رأى أن المستحيلات ثلاثة: الغول، والنقاء، والخلّ الوفيّ.
عادت بكلّ قوة، ومعها كل أحجام قبيلة «البانقا» صغاراً وكباراً، لتقف معنا في طوابير لتروي هذه المرّة عطش الآلات: سيارات ومولدات.!
فماذا ننتظر بعد ذلك لنعطي كل ذي حقٍ حقه، ونفتح صفحة في تاريخنا تؤرخ لعام «البانقا»..
أعلمُ أنّ الأمر لن يكون سهلاً، ككل قضايانا، فريقٌ سيصرّ على البدء بعام عطش البشر والشجر، وفريقٌ سيتمسك بعام عطش السيارات والمولدات.
فرصةٌ لا يجبُ إضاعتها، فليس لدينا – حسب علمي- عطشٌ لسوائل أخرى تستوجب تدخل «البانقا»…
لكل مولود جديد: عام )بانقا( سعيد…!



