رأي

من أطفأ النَّور ؟!

مفتاح ميلود

في‭ ‬ليبيا،‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬العتمة‭ ‬وحدها‭. ‬تدخل‭ ‬بهدوء،‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬الغرف،‭ ‬تطفئ‭ ‬شاشة،‭ ‬وتقطع‭ ‬صفحة‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬كتاب،‭ ‬وتترك‭ ‬قارئًا‭ ‬أمام‭ ‬جملة‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬تنتهي‭. ‬ثم‭ ‬تمضي،‭ ‬كأن‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭.‬

نعتادها‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا‭. ‬نضحك‭ ‬عليها‭ ‬أحيانًا،‭ ‬نشعل‭ ‬شمعة،‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬مولد‭ ‬قريب،‭ ‬ونواصل‭ ‬حياتنا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬ينقصها‭ ‬سوى‭ ‬بضع‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الضوء‭. ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬التيار‭.‬

تتأخر‭ ‬أمسية‭. ‬تُلغى‭ ‬محاضرة‭. ‬يغلق‭ ‬مركز‭ ‬ثقافي‭ ‬أبوابه‭. ‬يؤجل‭ ‬كاتب‭ ‬موعده‭ ‬مع‭ ‬الكتابة‭. ‬ويجلس‭ ‬المثقف،‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مشغولًا‭ ‬بأسئلة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬يومه،‭ ‬منشغلًا‭ ‬بالسؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬بدائية‭: ‬هل‭ ‬سيبقى‭ ‬الضوء‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬الصفحة؟

المؤلم‭ ‬أن‭ ‬العتمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬فقط‭. ‬ثمة‭ ‬عتمة‭ ‬أخرى،‭ ‬أكثر‭ ‬خفاءً،‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تضيء‭ ‬الطريق‭: ‬إلى‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وإلى‭ ‬الأفكار،‭ ‬وإلى‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الإصلاح،‭ ‬وإلى‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬البسيط‭ ‬بأن‭ ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬غرفة‭ ‬أخرى‭ ‬ننتظر‭ ‬فيها‭ ‬عودة‭ ‬الكهرباء‭.‬

ليبيا‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬تنقصه‭ ‬الثروة،‭ ‬ولا‭ ‬الشمس،‭ ‬ولا‭ ‬العقول‭. ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬تبدو‭ ‬عتمتها‭ ‬جارحة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭. ‬فالفقر‭ ‬قد‭ ‬يفسر‭ ‬بعض‭ ‬العجز،‭ ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الضوء‭ ‬قريبًا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬ثم‭ ‬يظل‭ ‬بعيدًا،‭ ‬فذلك‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭. ‬ولعل‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬العتمة‭ ‬أنها،‭ ‬حين‭ ‬تطول،‭ ‬تجعل‭ ‬العين‭ ‬تتكيف‭ ‬معها‭. ‬فننسى‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬مَنْ‭ ‬أطفأ‭ ‬النَّور؟‭!.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى