
لم تكنْ قضية المبيدات الزراعية في ليبيا وليدة الأيام الأخيرة، فقد سبق وأن فتحت صحيفة )فبراير( هذا الملف عبر تحقيق صحفي تناول مخاطر الاستخدام العشوائي للمبيدات، واستند إلى لقاءات وشهادات مختصين، وخبراء في الزراعة والصحة وسلامة الغذاء، محذرًا من أن الخطر لا يكمن في المبيد وحده، بل في منظومة متكاملة تبدأ من الاستيراد والتداول، وتمتد إلى الحقل والسوق، قبل أن تنتهي في طبق المواطن.
عينات ملوثة وضبطيات تكشف اتساع الخطر
المختبر والنيابة في مواجهة المبيدات المحظورة
واليوم، وبعد أن دخل الملف دائرة التحقيقات الجنائية والإجراءات القضائية، لم تعد التحذيرات مجرد مخاوف نظرية، بل تحوَّلت إلى وقائع، وأدلة وضبطيات وملفات قيد التحقيق.
وكان مكتب النائب العام قد أعلن في نهاية يونيو الماضي أن نتائج تحليل عينات جُمعتْ من مزارع ومحال تسويق في طرابلس، وبنغازي، ومصراتة أظهرت احتواء 65 ٪ من العينات على متبقيات سبعة مبيدات محظورة، أو مواد مصنفة ضمن مواد محظورة، أو خطرة وفق التشريعات الوطنية والتوصيات والاتفاقيات الدولية، مع تسجيل تجاوزات للحدود المسموح بها في بعض العينات، بما دفع النيابة إلى استكمال جمع الأدلة وتحديد المسؤولين عن إدخال هذه المواد إلى السوق وتداولها واستعمالها.
ولم تتوقف الإجراءات عند حدود التحليل المخبري؛ إذ تحوّلت نتائج الفحوصات إلى عمليات ميدانية واسعة. فقد أعلنت النيابة العامة ضبط 19 ألف كيلوغرام من غاز بروميد الميثيل، إلى جانب ستة آلاف مستوعب يحوي مبيدات زراعية محظورة، وذلك خلال تفتيش مخازن تابعة لشركات استيراد، مع التحفظ على المواد المضبوطة وقفل أماكن تخزينها وملاحقة بقية المسؤولين عن إدخال تلك المواد إلى البلاد.
وفي نطاق اختصاص نيابة النظام العام بغريان، كشفت التحقيقات عن وجود متاجرة بالمبيدات المحظورة في المنطقة الممتدة من غريان إلى نالوت. وأسفرت عمليات التفتيش التي شملت 25 محلاً عن ضبط 79 مستوعبًا من المبيدات المحظورة والقبض على ثمانية أشخاص، قبل أن تأمر النيابة بحبسهم احتياطيًا، والتحفظ على المواد المضبوطة وقفل محال تخزينها.
كما امتدتْ التحقيقات إلى مناطق أخرى؛ حيث أسفرت عمليات تفتيش في البيضاء والخمس عن ضبط كميات من المبيدات المحظورة، وحبس متهمين على ذمة التحقيق، إلى جانب ضبط مواد زراعية منتهية الصلاحية وإغلاق محال ثبت تورطها في الاتجار بالمواد المحظورة.
وفي الأول من يوليو، عقد النائب العام اجتماعًا موسعاً ضم وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة، ورؤساء عدد من الأجهزة الرقابية والأمنية، من بينها جهاز الحرس البلدي والشرطة الزراعية والشرطة البيئية والإدارة العامة لمكافحة التهريب ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية، لبحث نتائج استعمال المبيدات المحظورة، والتعامل مع الأدلة الناتجة عن تحليل العينات، والآثار الصحية والبيئية الناجمة عنها، فضلاً عن بحث أسباب وصول مواد محظورة إلى دائرة التداول رغم إدراج بعضها ضمن قوائم الحظر الوطنية أو التوصيات الدولية والإقليمية.
وبالتوازي مع المسار القضائي، بدأتْ الجهات التنفيذية في اتخاذ خطوات تنظيمية. فقد ناقشت الحكومة تنظيم آليات استيراد المبيدات الزراعية وتسجيلها وتداولها، وإعداد قوائم وطنية للمبيدات المسموح بها والمحظورة، وتنظيم عمليات الاستيراد والتخزين والتداول وتشديد الرقابة على المنافذ، بما يعكس الحاجة إلى ضبط دورة المبيد منذ دخوله إلى البلاد وحتى استخدامه في الحقول.
كما وجه وزير الزراعة والثروة الحيوانية بتفعيل لجنة تسجيل المبيدات، وإعادة تشغيل مختبرات تحليل المبيدات، وتشديد الرقابة على تداولها، وإعداد قائمة بالمبيدات المسموح باستيرادها واستخدامها داخل ليبيا وفق المعايير والضوابط المعتمدة، في خطوة تعكس الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الرقابة العلمية والفنية التي ظلت لسنوات تعاني من ضعف التنسيق وتداخل الاختصاصات.
وفي السياق ذاته، تكتسب الندوات والأنشطة العلمية التي تتناول الجوانب الجنائية والبيئية لملف المبيدات أهمية خاصة، لأنها تضع القضية في إطارها العلمي والجنائي معاً؛ فالمطلوب لم يعد فقط اكتشاف المادة المحظورة، بل تحديد طبيعتها وتركيزها ومصدرها ومسار تداولها، وربط النتيجة المخبرية بالمسؤولية القانونية.
وهنا يصبح المختبر جزءاً أساسياً من منظومة العدالة، لأن الدليل العلمي هو الذي يحدد حجم الخطر، ويثبت التجاوز، ويدعم إجراءات التحقيق والمساءلة.
وتكمن الخطورة الصحية في أن بقايا المبيدات لا ترتبط دائماً بتسمم فوري ظاهر، بل قد يؤدي التعرض المتكرر لبعض المواد إلى آثار تراكمية تمس الجهاز العصبي والغدد الصماء والخصوبة والنمو، فضلاً عن مخاطر مرتبطة بمواد مصنفة دولياً باعتبارها مسرطنة أو مطفرة.
ولذلك فإن حماية المستهلك لا يمكن أن تُترك لقدرته على غسل الخضروات أو اختيار المنتجات، لأن المسؤولية الأساسية تقع على منظومة الرقابة قبل وصول الغذاء إلى السوق.
ما يحدث اليوم يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية. فالحملة القضائية كشفت حجم المشكلة، والقرارات والإجراءات الحكومية بدأتْ في إعادة تنظيم الاستيراد والتداول، والجهات العلمية مطالبة بتوفير الدليل والتحليل، فيما يبقى التحدي الأكبر في ضمان استمرار هذه الإجراءات وعدم تحولها إلى حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي.
والنتيجة الأهم حتى الآن أن ملف المبيدات خرج من دائرة الشكوى العامة إلى دائرة التحقيق الجنائي، وأن سلسلة المسؤولية باتت موضع بحث: من استورد؟، ومن مرّر؟ ومن خزّن؟ ومن باع؟ ومن استخدم؟ ومن قصّر في الرقابة؟
أما ما سيحدث لاحقًا، فسيتوقف على قدرة المؤسسات على تحويل نتائج التحقيقات إلى إجراءات دائمة، وقوائم وطنية واضحة، ومختبرات فاعلة، ورقابة على المنافذ والأسواق والحقول.
لقد بدأ التحقيق الصحفي بكشف الخطر، ثم جاءتْ التحقيقات القضائية لتضع الوقائع تحت المجهر.
وبين الصحافة والقانون والعلم تتشكل اليوم فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومة سلامة الغذاء في ليبيا.
فالمطلوب ليس فقط ضبط المبيد المحظور، بل منع وصوله من الأساس إلى الأرض الليبية، لأن حماية المواطن تبدأ قبل أن تُزرع البذرة، وتنتهي عند ضمان أن ما يصل إلى مائدته غذاء، لا مادة مجهولة قد تحمل في صمت تهديدًا لصحة المجتمع ومستقبل أجياله.
المصادر:
بيانات مكتب النائب العام – وكالة الأنباء الليبية – التحقيق الصحفي السابق المنشور بصحيفة )فبراير(.



