الدروس خارج الفصل.. ممر خـفي للنجــاح
إعداد فريق التحقيق (طلبة كلية الإعلام - جامعة طرابلس) : رزان الخويلدي • لينة اندير إشراف : أ. نجيب رحومة

بعد يوم دراسي شاق داخل أروقة مدرسة «خطوة» للتعليم الأساسي – اسم مستعار -، عاد التلميذ معاذ، الذي يدرس في الصف السابع، إلى منزله حاملاً طلبًا أثار استغراب وقلق والده. لم تكن المشكلة تكمن في صعوبة المقررات أو تراجع مستواه الأكاديمي، بل في طلبه غير المعتاد لمبلغ 50 ديناراً؛ لدفع رسوم حصة خصوصية في مادة يدرسها بالفعل داخل جدران المدرسة.
هل تحولت فصول التقوية إلى منصات لمنح أفضلية غير مشروعة لطلاب دون غيرهم؟
استنكر الأب قيمة المبلغ، خاصة أنها المرة الأولى التي يطلب فيها ابنه الانخراط في عالم الدروس الخصوصية وأمام أسئلة الأب المتلاحقة، تردد معاذ قليلاً قبل أن يبوح لوالدته بالدافع الحقيقي وراء هذا الطلب. روى معاذ أن زميله في الفصل «يزن» – اسم مستعار – أسرّ له بأن تحسنه الدراسي الملحوظ مؤخراً لم يأتِ من فراغ، بل يعود إلى انتظامه في حضور دروس خصوصية تمنحها معلمة المادة ذاتها. الأمر لا يقتصر على مجرد شرح إضافي للمنهج، بل يتعداه إلى تقديم توجيهات دقيقة حول طبيعة الأسئلة المتوقع ورودها في الامتحان النهائي. هذه المعلومة رسخت في ذهن معاذ قناعة بأن مقعداً في تلك الدروس هو بطاقة العبور المضمونة لتحقيق علامات مرتفعة.
في الظاهر، تبدو هذه القصة مجرد حلقة في سلسلة طويلة لواقع أصبحت فيه الدروس الخصوصية جزءاً أصيلاً من المشهد التعليمي في ليبيا. غير أن شكوى تلقيناها من أحد أولياء الأمور فتحت باباً واسعاً لتساؤلات أعمق: هل تحولت فصول التقوية إلى منصات لمنح أفضلية غير مشروعة لطلاب دون غيرهم؟. وهل تُستغل ورقة «معرفة أسئلة الامتحانات» كطعم لاستقطاب المزيد من الطلاب وجني الأرباح؟.
الطريق إلى الحقيقة
على مدار ستة أشهر متواصلة، غاص فريقنا خلف كواليس هذه الظاهرة، متتبعاً خيوط القضية عبر مراجعة الوثائق التربوية، ومقاطعة عشرات الشهادات الحية. واجهنا خلال هذه الرحلة جداراً من التشكيك في إمكانية إثبات هذه التجاوزات، وصعوبة بالغة في اختراق أسوار المدارس للحصول على تصاريح رسمية لإجراء المقابلات مع الأطراف المعنية. وعندما حملنا ما توصلنا إليه من أدلة وقرعنا أبواب وزارة التربية والتعليم، أبدى أحد المسؤولين تجاوباً مبدئياً مبشراً. لكن هذا التعاون سرعان ما تبخر؛ إذ لاذ المسؤول بصمت تام، متجاهلاً كافة اتصالاتنا ورسائلنا المتكررة حتى اللحظات الأخيرة من إعداد هذا التحقيق، تاركاً تساؤلاتنا معلقة دون أي تعليق أو تفنيد رسمي.
شهادات تمتد لأكثر من عقد
جمعنا عشرات الإفادات من طلاب، وأولياء أمور، ومعلمين يمثلون عدة بلديات داخل العاصمة طرابلس، فضلاً عن مدن ليبية أخرى. وما كشفته هذه الشهادات الموثقة هو أن ظاهرة استغلال الدروس الخصوصية ليست وليدة اللحظة، بل هي ممارسة متجذرة تمتد أقدم وقائعها الموثقة لدينا إلى عام 2012، واستمرت بلا انقطاع حتى عام 2026. ورغم التباين الجغرافي والزمني، تقاطعت الروايات بشكل لافت؛ حيث تكرر الحديث عن قيام معلمين ومعلمات بدعوة طلابهم لفصول خاصة مقابل رسوم مالية، وسط اعتقاد راسخ لدى الحاضرين بأن هذه الدروس تحمل مفاتيح الامتحانات. هذه السرديات المتطابقة، الممتدة لأكثر من عقد، شكّلت نمطاً منهجياً استدعى منا تعميق البحث وتحليل الأدلة.
التسعيرة والامتحان .. مناوشات داخل «واتساب»
)احنا بالله شن استفدنا من اللي داروه الطلبة لأبلة الإنجليزي؟ … سكرت راسها وقالت مش راح تأشر على الأسئلة متع الامتحان يوم الثلاثاء… واحمدوا ربكم هي تاخد في 25 دينار وباقي الأبلات ياخذوا في 30 دينارًا…(.
بهذه العبارات الصريحة والغاضبة، لخصت إحدى الأمهات عبر مجموعة «واتساب» مدرسية واقعاً مريراً. الدليل الرقمي الذي حصلنا عليه كشف عن نقاش حاد بين أولياء أمور في مدرسة حكومية، تفجر عقب احتجاج نظمه طلاب غاضبون أمام مكتب مدير المدرسة. سبب الاحتجاج لم يكن تربوياً، بل جاء اعتراضاً على قرار معلمة اللغة الإنجليزية برفع «تسعيرة» دروسها الخاصة. الطلاب المحتجون أبلغوا الإدارة صراحة بأن المعلمة تقدم توجيهات حاسمة حول أسئلة الامتحان والأجزاء المقررة خلال تلك الحصص المأجورة. رسالة الأم تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الارتباط بين دفع المال والحصول على المراجعات الامتحانية بات أمراً مسلماً به ومتداولاً علناً بين الأسر.
كيف يتم استقطاب الطلاب؟
يكشف الطالب السابق «م.أ» تكتيكات الاستقطاب؛ موضحاً أن بعض المعلمات يعتمدن تقديم شرح مبتسر ومقتضب داخل الفصل المدرسي، قبل توجيه بوصلة الطلاب نحو الانضمام لدروسهن الخصوصية المأجورة. ويروي أن تلك الحصص الخاصة لم تكن مكرسة لشرح المنهج بعمق، بل ركزت بشكل مكثف على تحديد النقاط المحورية وتجاوز الحشو، مع تلميحات واضحة لأهمية أجزاء بعينها في ورقة الامتحان النهائي. هذا التكتيك، الذي يبلغ ذروته قبيل موسم الامتحانات، يزرع في عقول الطلاب قناعة لا تتزعزع بأن الدفع المالي هو أقصر طرق التفوق مقارنة بالاكتفاء بحصص المدرسة الرسمية.
حصص تقوية أم تسريب ممنهج؟
تسترجع «ش.ز» ذكرياتها في المرحلة الإعدادية الممتدة بين 2012 و2015، حيث دأبت إحدى المعلمات على استقطاب الطالبات لحصص تقوية مسائية. ورغم أن اللافتة المرفوعة كانت «مراجعة المنهج»، تؤكد «ش.ز» أن الأوراق الموزعة خلال تلك الجلسات تضمنت أسئلة تطابقت لاحقاً مع ورقة الامتحان النهائي. هذه التجربة المبكرة شوهت أسلوبها في التحصيل العلمي، فباتت تلهث خلف «الأسئلة المتوقعة» وتتجاهل استيعاب المقرر الشامل، ظناً منها أن هذا هو مفتاح النجاح السحري.
بين التلميح الذكي
والتسريب المقنع
لا يتخذ الأمر دائماً شكل التسريب الفج؛ إذ يوضح «ي.ح» أن معلمته كانت تتقاضى ما بين 20 إلى 25 ديناراً مقابل دروس تقترب فيها ببراعة من الصياغة الحرفية لأسئلة الامتحانات دون التصريح بذلك. وفي سياق متصل، أكد طلاب آخرون تلقيهم ما يسمى بـ»الأسئلة الاسترشادية»؛ وهي أوراق مراجعة مركزة تُوزع في الدروس الخاصة، وتأتي الامتحانات مطابقة لها أو شديدة الشبه بها.
من لا يدفع… لا ينجح
تتجاوز الانتهاكات مجرد التلميح لتصل إلى حد الابتزاز الأكاديمي. تروي «أ.ب» بمرارة كيف أُجبرت على إعادة مادة الرياضيات عام 2019 نتيجة رفضها الانصياع لطلب معلمتها بالالتحاق بدرسها الخصوصي. وفي العام التالي، استسلمت ودفعـت الرسوم لتتمكن أخيراً من اجتياز المادة. مأساة تكررت بحذافيرها مع «س.ج» الذي رسب في مادة دراسية للسبب ذاته. هذا التمييز الفج دفع الطالبة «ر.ع» في مدينة أخرى للتعبير عن فقدانها التام للثقة في عدالة المنظومة التعليمية، بعد أن لمست التفرقة الواضحة بين دافعي الرسوم وغيرهم.
أصوات من داخل غرف المعلمين
نقلنا الميكروفون إلى العاملين في الميدان التربوي. تعترف المعلمة «ر.خ» بمعاصرتها لزميلات يمنحن أسئلة مقاربة للامتحانات في الحصص المأجورة، محذرة من كارثة خلق جيل يعتمد على التلقين والحفظ المسبق بدلاً من الفهم. وتلتقط المعلمة «م.أ» خيط الحديث لتوضح أن التمرير يتم غالباً عبر حصر المراجعات في أسئلة محدودة جداً ستكون حاضرة في الاختبار. ومع ذلك، تدافع عن شريحة من المعلمين الذين يلجؤون للدروس الخصوصية اضطراراً؛ هرباً من تكدس الفصول وضيق وقت الحصة الذي يعيق إكمال المنهج.
الخوف من الظلم وتبخر الحماس
يصف «ع.ص» شعوره المزمن بالقهر خلال دراسته؛ حيث كان يكدح في المذاكرة، بينما يحصد زملاؤه دائمي الغياب أعلى الدرجات. هذا الخلل جعله يوقن أن الاجتهاد فقد قيمته، مما اغتال حماسه للتعلم. وتؤيد ولية الأمر «ف.ط» هذا التوجه، مؤكدة أن الأسر باتت تدفع أبناءها نحو الدروس الخصوصية لا طلباً للعلم، بل كدرع وقاية من الظلم، ولضمان عدم استحواذ الآخرين على أفضلية غير مستحقة.
معلمون يرفضون وأصوات تفضل الصمت
ترفض المعلمة «س.أ» هذه الممارسات جملة وتفصيلاً، مؤكدة أنها تدمر ميزان العدالة وتساوي بين الطالب الكسول والمجتهد. في المقابل، تفضل المعلمة «أم فارس» تقليل حجم الظاهرة وربطها بحالات فردية، معتبرة أن فضح المتورطين أمر معقد. وتوافقها «ث.ك» التي آثرت عدم الخوض في التفاصيل لحساسية القضية، مكتفية بالإقرار بوجود تجاوزات محدودة. وترى المعلمة «ن.أ» أن تحويل التعليم إلى تجارة أفقد المدرسة دورها، وأضعف ثقة المجتمع في هيبتها.
الإدارة المدرسية: الحل من الداخل
تقر المديرة «سعاد» بأن تقديم المعلم لدروس خاصة خارج أسوار المدرسة يفتح باب الشكوك، خاصة مع تفشي قناعة الأسر بارتباطها المباشر باجتياز الامتحانات. وتشدد على أن الحل يكمن في تفعيل دور المدرسة عبر استغلال حصص الاحتياط لدعم المتعثرين، لقطع الطريق على تسليع التعليم وضمان تكافؤ الفرص.
شهادة رقابية: تلميحات امتحانية ومقايضة درجات
في بحثنا عن الرؤية الإدارية، كشف مسؤول في مراقبة التعليم بإحدى المدن الليبية عن تجاوزات رصدها ميدانياً:
• تسريب التلميحات: أوضح المسؤول أن بعض المعلمات، خصوصاً في المواد العلمية الدقيقة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، يتذرعن بكثرة العطلات وضيق الوقت لجر الطلاب لدروس تقوية خارجية. هناك، يوزعن مراجعات تتطابق مع الامتحانات النهائية، ويحتكرها الطلاب الدافعون رافضين مشاركتها مع زملائهم، مما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص.
• مقايضة الدرجات وضعف الردع: أما الكارثة الأكبر التي كشفها المسؤول، فتتمثل في اتفاقات غير معلنة بين معلمات في مدارس مختلفة لتبادل منح درجات تقييم مرتفعة لأبنائهن. واستشهد بواقعة خلاف حاد اندلع بين معلمتين إثر رفض إحداهن الاستجابة لطلب تقييم ابن الأخرى. تطور الأمر لشكوى رسمية ولجنة تحقيق، لكن المفاجأة تمثلت في غياب العقوبة الرادعة؛ إذ انتهى الملف بمجرد «تنبيه» شفوي للمُعلمة ونقل الطالب لمدرسة أخرى وإغلاق القضية. هذا التساهل الإداري مستمر رغم تلقي المراقبة شكاوى دورية مكتوبة لا تفضي غالباً لأي إجراء تأديبي ملموس.
البعد القانوني: نصوص صارمة وتطبيق غائب
لتشريح القضية قانونياً، يؤكد الدكتور سراج الدين الكيلاني، رئيس قسم القانون العام بجامعة طرابلس، أن المعلم موظف عام تحكمه التزامات مهنية وأخلاقية صارمة. ويوضح أن القرار رقم (1013) لسنة 2022 يحظر صراحة الدروس الخصوصية، والتلاعب بالدرجات، وتسريب الامتحانات، والغش. ورغم أن العقوبات تتدرج من الإنذار والخصم وصولاً إلى الحرمان من الترقية أو العزل النهائي، إلا أن الكيلاني يرى المشكلة في شلل الأجهزة الرقابية وضعف التطبيق، داعياً إلى تفعيل المحاسبة وتشجيع المجتمع على الإبلاغ.
انهيار القيم والبناء النفسي
تحذر الأختصاصية الاجتماعية ربيعة قويدر من أن هذه الممارسات تقتل ثقافة الاجتهاد وتؤسس لـ«النجاح السريع»، مدمرة بذلك القيم الأخلاقية للطالب وإحساسه بالمسؤولية. ويضيف الدكتور عبدالحفيظ طريش، الأختصاصي النفسي، أن إدراك الطالب لغياب العدالة يصيبه بالإحباط والاتكالية، ويضعف ثقته بقدراته الذاتية، مما يشوه نظرته للتعليم ويعيق بناء شخصيته المستقبلية بشكل سليم.
لغة الأرقام: ظاهرة
لا يمكن تجاهلها
لم نكتفِ بالروايات، بل أطلقنا استبياناً إلكترونياً شارك فيه 338 شخصاً )75.9 % طلاب، 9.8 % أولياء أمور، 3.6 % معلمون، والبقية فئات أخرى(. الأرقام جاءت صادمة؛ حيث أقر 87.5% بسماعهم عن حالات تسريب أو تمرير أسئلة، بينما أكد 82.7 % تفشي الظاهرة بقوة داخل البيئة التعليمية. تعكس هذه النسب حجم الاحتقان والقلق المجتمعي الذي يتقاطع تماماً مع الشهادات الحية.
لم تعد القضية اليوم مجرد انطباعات فردية عابرة، بل نمط منهجي ومقلق يكشفه تقاطع الشهادات الميدانية مع لغة الأرقام الصارمة. فرغم اختلاف التجارب والسنوات، توحدت أصوات الطلاب حول حقيقة مفجعة: إن تحول النجاح إلى سلعة تُشترى في غرف الدروس الخصوصية لا يدمر مبدأ تكافؤ الفرص فحسب، بل يغتال قناعة الجيل الجديد بأن الاجتهاد والنزاهة هما الطريق الوحيد للعبور نحو المستقبل.



