
دخلتْ ليبيا منذ عام 2011 مرحلةً من التحولات السياسية العميقة، اتسمتْ بضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز السلطة، وتنافس القوى العسكرية، والسياسية على الشرعية والنفوذ. وقد أفضى هذا الواقع إلى ما يمكن وصفه بحالة )التشظي السياسي(؛ حيث انقسمتْ مؤسسات الدولة بين حكومات وسلطات متنازعة، وانعكس ذلك على حياة المواطن في مختلف مناطق البلاد بدرجات متفاوتة.
ويبدو أن إقليم فزان في الجنوب الليبي كان الأكثر تأثرًا بهذه الحالة؛ نتيجة موقعه الجغرافي البعيد عن مراكز القرار في عواصم الدولة، إضافة إلى طبيعته الحدودية المفتوحة على دول تعاني هشاشة مؤسساتية وضعفًا تنمويًا، ما جعلها مصدرًا رئيسًا لتدفقات الهجرة غير النظامية، وأنشطة التهريب، والجريمة العابرة للحدود.
ورغم أن سنة 2012 شهدتْ بوادر واعدة لبناء دولة ما بعد فبراير، من خلال انتخابات نزيهة إلى حد كبير وما انبثق عنها من مؤسسات حاولت إنعاش كيان الدولة واستعادة دورها، فإن الأحداث سرعان ما انتكست، لتدخل البلاد في مسارٍ من الانقسام والصراع تجاوز أكثر التوقعات تشاؤمًا، وأدى إلى مواجهات مسلحة متكرّرة وعجز مستمر عن استعادة مؤسسات الدولة موحدة وقادرة على أداء وظائفها الأساسية.
لقد قامت الدولة الليبية الحديثة، منذ نشأتها بقرار الأمم المتحدة وإعلان المملكة الليبية المتحدة، على البنية التاريخية لأقاليمها الثلاثة: )طرابلس، وبرقة، وفزان(. وكانت هذه الأقاليم ولايات تتمتع بمجالس تشريعية وحكومات تنفيذية حتى توحيد النظام الإداري للدولة عام 1963 خلال العهد الملكي. ثم تعززتْ مركزية الدولة خلال فترة سبتمبر؛ حيث تركزت السلطة في حكومة واحدة بطرابلس، ضمن ما يمكن تسميته بمعادلة «المركز والأطراف».
غير أن انهيار النظام سنة 2011 كشف هشاشة الدولة الليبية، وأظهر أن استقرارها وبقاءها يرتبطان بقدرتها على أداء ثلاث وظائف رئيسة: احتكار العنف المشروع، وتقديم الخدمات العامة، وإدارة الموارد بصورة عادلة. وعندما تفشل الدولة في القيام بهذه المهام، تتزايد فرص ظهور فاعلين غير رسميين يحلون محل المؤسسات الشرعية أو ينازعونها أدوارها واختصاصاتها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم الواقع الليبي الراهن؛ إذ أدى تراجع سلطة الدولة إلى صعود تشكيلات مسلحة تعمل خارج إطار القانون أو دون امتثال كامل له، وتسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة والحصول على مزايا ونفوذ على حساب حقوق الآخرين. وبينما انشغلتْ القوى المتصارعة على السلطة والثروة في المركز، تُركتْ الأطراف لمواجهة مصيرها، وكان إقليم فزان النموذج الأوضح لهذه الحالة.
فقد شهد الإقليم تراجعًا حادًا في حضور الدولة، تجسد في انتشار عصابات الجريمة والنهب، وتصاعد الهجرة غير النظامية، وتدهور الخدمات الأساسية من )كهرباء ومياه وصحة وتعليم(. كما دفع هذا الواقع آلاف المواطنين إلى الهجرة نحو مدن الساحل بحثًا عن الأمن وفرص الحياة الكريمة. ويزداد هذا المشهد قسوة إذا ما قورن بحقيقة أن جزءًا مهمًا من إنتاج ليبيا النفطي يأتي من حقول الجنوب، وأن آبار مياه )الحمادة وجبل الحساونة( تشكل المصدر الرئيس لتغذية منظومة النهر الصناعي التي تعتمد عليها معظم المدن الليبية في غرب لبلاد.
وقد انعكس انقسام مؤسسات الدولة بين الشرق والغرب بصورة أشد وضوحًا في الجنوب؛ حيث تنامى شعور سكان فزان بأنهم خارج معادلة صُنع القرار الوطني، وأن الإقليم لا يُستدعى إلا عند الحاجة إلى موارده الطبيعية، أو موقعه الاستراتيجي، دون أن يقابل ذلك اهتمام حقيقي باحتياجاته التنموية والخدمية. وأدى الفراغ الأمني الناتج عن هذا الواقع إلى أحداث بالغة السوء بلغتْ ذروتها خلال عامي 2017 و2018، عندما تحوّلتْ مدينة سبها إلى ساحة صراع مفتوح ألحق دمارًا واسعًا بالبنية التحتية والمرافق العامة، وأثر بعمق في حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم.
ورغم قسوة هذه الظروف، أدرك كثيرٌ من عقلاء الجنوب أن مستقبل ليبيا لا يمكن أن يُبنى بانتصار طرف على آخر، وأن أي مشروع وطني حقيقي يجب أن يستوعب جميع مكونات البلاد وأقاليمها. ولذلك كان التحدي الأكبر يتمثل في البحث عن مواقف ومسارات تخفف من آثار التشظي السياسي، دون الانزلاق إلى مشاريع التجزئة، أو التقسيم، وتحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة الليبية ومصالح مواطنيها
إن إعادة بناء الدولة الليبية وتشكيل مؤسساتها المستقبلية لا يمكن أن تتجاهل الدور المحوري لإقليم فزان، ليس باعتباره طرفًا هامشيًا في المعادلة الوطنية، بل باعتباره أحد أعمدتها الأساسية. فكل تصور واقعي للدولة الليبية القادمة، مهما كان شكله السياسي أو الإداري، يظل مرتبطًا بمكانة فزان ووظيفته الاستراتيجية في الجغرافيا الليبية.
فالاقتصاد الوطني يعتمد بدرجة كبيرة على موارد الطاقة، ويقع جزءٌ مهم منها في الجنوب. كما أن أمن الدولة يرتبط مباشرة بقدرتها على إدارة حدودها الطويلة، وهي المهمة التي تتمركز تحدياتها الكبرى في إقليم فزان؛ حيث تتقاطع قضايا الهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة المنظمة مع اعتبارات الأمن الوطني والإقليمي، بل والأوروبي كذلك.
ومن ثم، فإن ضمان استقرار ليبيا وحماية ثرواتها لا يمكن أن يتحقَّقا عبر الحلول الأمنية وحدها، وإنما من خلال رؤية تنموية شاملة تعيد الاعتبار للجنوب، وتوفر لسكانه فرص العمل والاستثمار والخدمات الأساسية، وتمنحهم مشاركة حقيقية في صناعة القرار الوطني. ففزان ليس مجرد خزان للموارد، أو بوابة حدودية للدولة، بل شريك أصيل في بنائها واستقرارها، وأحد المفاتيح الرئيسة لإنجاح أي مشروع وطني يسعى إلى تجاوز الانقسام واستعادة الدولة الليبية الموحدة.



