
تشهد المنظومة الصحية أزمةً صامتة ترتبط مباشرة بسلامة المرضى وجودة الرعاية الطبية، وتتجلى هذه الأزمة في تراجع دور الممرض وتحجيمه داخل المستشفيات؛ فبعد أن كان شريكًا أساسيًا في اتخاذ القرار الطبي، بات يُنظر إليه في كثيرٍ من الأحيان كعنصر هامشي يقتصر دوره على المهام التقليدية، وهو واقع مرير تتقاسم مسؤوليته الإدارات الطبية والتقصير في التطوير المهني، مما يفتح الباب أمام تحديات جسيمة تشمل غياب الوصف الوظيفي الدقيق، واجتياح الدخلاء من خريجي الدورات التدريبية القصيرة للمؤسسات الصحية، وهو ما يطرح تساؤلات ملحة حول الكفاءة، والمسؤولية القانونية، والسُبل الكفيلة بإعادة الهيبة لمهنة إنسانية لا يمكن للمنظومة الصحية أن تستقيم من دونها.
صحيفة )فبراير( كان لها حوارٌ مع د.محمد راشد رئيس الجمعية الليبية للتمريض
يرى الكثيرون أن دور الممرض في مستشفياتنا بات محدودًا وهامشيًا، ما الذي أدى إلى هذا التراجع ؟
القول بإن دور الممرض قد تراجع، أو تم تهميشه ليس مبالغة، بل هو واقع ملموس للأسف. المشكلة هنا مشتركة؛ فهي تقع على عاتق المنظومة الإدارية والطبية من جهة، وعلى بعض عناصر التمريض من جهة أخرى. غياب التمكين الحقيقي للممرض وحصر عملية اتخاذ القرار في نطاق ضيق أدى إلى انكماش دوره، وتزامن ذلك مع ضعف التطوير المهني لدى بعض الممارسين، مما وسّع الفجوة مقارنة بما تشهده الدول المتقدمة في هذا المجال.
هل تعتقد أن غياب الوصف الوظيفي الدقيق هو السبب وراء اختزال دور الممرض في مهام بسيطة كإعطاء الحقن؟
بكل تأكيد، هذا أحد أكبر الأسباب التي حصرتْ الممرض في إطار الشغل التقليدي الروتيني مثل إعطاء الحقن، وقياس ضغط الدم. في الحقيقة، دور الممرض أكبر من ذلك بكثير؛ إذ يمتد ليشمل التقييم السريري للمريض، والملاحظة الدقيقة لحالته، والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات الطبية كعضو أساسي في الفريق المعالج.
كيف ينعكس هذا التهميش لدور الممرض على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى؟
التهميش يؤثر بشكل مباشر وخطير على جودة الخدمة وسلامة المريض، لا سيما في الأقسام الحساسة مثل: العناية المركزة والطوارئ. الممرض هو خط الدفاع الأول وأول مَنْ يلاحظ أي تغيير مفاجئ في حالة المريض الصحية، وإذا كان دوره ضعيفًا، أو مهجورًا، فإن التأخير في رصد هذه التغيرات قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، أو يسبب كوارث طبية لا تحمد عقباها.
نواجه اليوم إشكالية الدخلاء على المهنة، ما الفرق الحقيقي بين الممرض الأكاديمي، وخريج الدورات التدريبية السريعة؟
اقتحام الدخلاء لمهنة التمريض هو أمر في غاية الخطورة. هناك فرقٌ شاسع بين ممرض قضى سنوات من عمره يدرس في الجامعة وتلقى تدريبًا عمليًا مكثفًا وممنهجًا، وبين شخص آخر التحق بدورة تدريبية قصيرة لا تتعدى بضعة أشهر؛ فالتمريض علم تخصصي قائم بذاته وليس مجرد مهارة عابرة يمكن اكتسابها في وقت وجيز.
ثمة مخاوف حقيقية من اجتياح خريجي الدورات القصيرة للمستشفيات، كيف يمكن التمييز وحماية المريض؟
الفارق الحقيقي يتضح من خلال الشهادة الأكاديمية، ورخصة ممارسة المهنة، والخبرة الميدانية، وصولاً إلى طريقة التعامل السليم مع الحالات المرضية.
وهنا يجب على المؤسسات الصحية أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة في التحقَّق من كفاءة العاملين لديها، كما أن من حق المواطن والمريض معرفة مؤهلات الشخص الذي يقدم له الرعاية الطبية.
هل ترى أن الاعتماد على أصحاب الدورات السريعة خيارٌ مقصودٌ أو مقبول لسد العجز في المستشفيات؟
الاعتماد على خريجي الدورات السريعة لسد العجز، خصوصًا في الأقسام الحيوية والحساسة، يعد مخاطرة كبيرة وغير محسوبة العواقب. المسؤولية هنا تقع بالكامل على الإدارات والجهات المختصة التي تسمح بذلك، وتصبح الفجوة أكبر وأخطر عندما يتم مساواة هؤلاء المتدربين بالممرض الأكاديمي المؤهل.
من الناحية القانونية والمهنية، كيف تختلف المساءلة عند حدوث خطأ طبي بين الممرض الأكاديمي، وغير المؤهل؟
من الناحية القانونية، الممرض الأكاديمي يحمل رخصة مزاولة مهنة رسمية ويخضع للمساءلة القانونية المباشرة عن أخطائه. أما في حالة الشخص غير المؤهل، فإن المسؤولية لا تتوقف عنده فحسب، بل تمتد لتشمل المؤسسة الصحية نفسها التي سمحتْ له بالعمل في مستوى يفوق قدراته ومؤهلاته، وهذا يمثل خللاً جسيماً في قواعد السلامة المهنية.
ما المواصفات التي يجب أن تتوفر في الممرض حتى يوصف بأنه ذو كفاءة علمية وعملية مكتملة؟
الممرض الحقيقي هو الذي ينجح في الجمع بين العلم الراسخ، والمهارة العالية، والإنسانية الطاغية. هو الشخص الذي يعي تفاصيل عمله بدقة، ويجيد التصرف بحكمة وسرعة في الأوقات الحرجة، ويتعامل مع المريض بروح إنسانية، ويمتلك القدرة على تحمل ضغوط العمل الصعبة.
ما هي الخطوط الحمراء التي إذا غابتْ أو تم تجاوزها يسقط عن الممارس لقب ممرض حقيقي ؟.
هناك خطوط حمراء لا يمكن التهاون معها؛ فالإهمال، والجهل بأساسيات السلامة الطبية، وعدم تحمل المسؤولية، وسوء معاملة المرضى، أو التلاعب بالمعلومات الطبية.. كلها خطايا مهنية، وأي شخص تتوفر فيه هذه الصفات، أو يتجاوز هذه الخطوط لا يصلح بتاتاً لأن يحمل لقب ممرض.
كيف يمكننا إعادة الهيبة لمهنة التمريض وتغيير النظرة السائدة بأن الممرض مجرد تابع للطبيب؟
استعادة هيبة التمريض تتطلب مشروعًا وطنياً وإصلاحاً حقيقياً يبدأ من تفعيل القوانين الصارمة، وتحديد الأدوار والوصف الوظيفي بدقة، وتطوير المناهج التعليمية، ومنح الممرضين الصلاحيات التي يستحقونها، مع تحسين أوضاعهم المادية والمهنية. كما يجب على المجتمع أن يغير ثقافته ويدرك أن الممرض ليس تابعاً لطبيب، بل هو ركيزة أساسية وعمود فقري للمنظومة الصحية التي لا يمكن أن تنهض، أو تستمر من دونه.


