فنون

خليفةالفاخري .. في ذكرى الفاخري

امل بنود

‭)‬وحين‭ ‬تنتهي‭ ‬غربة‭ ‬النهر‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬البحر،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬ترك‭ ‬خلفه‭ ‬ضفافًا‭ ‬معشّبة،‭ ‬ومراعٍ،‭ ‬وحقولاً‭ ‬غامرة‭ ‬بالخير‭ ‬والسلام‭(.‬

ما‭ ‬إن‭ ‬تبدأ‭ ‬بقراءة‭ )‬بيع‭ ‬الريح‭ ‬للمراكب‭( ‬لخليفة‭ ‬الفاخري‭ ‬حتى‭ ‬تشعر‭ ‬بتلك‭ ‬الحالة‭ ‬السحرية‭ ‬التي‭ ‬تتملك‭ ‬الكاتب‭ ‬وهو‭ ‬ينسج‭ ‬نصًا‭ ‬استثنائيًا،‭ ‬كأنه‭ ‬معلق‭ ‬بين‭ ‬السماء‭ ‬والأرض‭.‬

عندما‭ ‬يرتقي‭ ‬السردُ‭ ‬لمستوى‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬الكاتبُ‭ ‬بأنه‭ ‬يتدلى‭ ‬بين‭ ‬الواقع،‭ ‬وخياله‭ ‬الذي‭ ‬شكّل‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬النص‭.‬

حدثني‭ ‬يومًا‭ ‬ما‭ ‬أحد‭ ‬الكُتّاب‭ ‬عن‭ ‬الحالة‭ ‬الغيبوبية‭ ‬التي‭ ‬تتملكه‭ ‬حينما‭ ‬يكتب‭ ‬نصًا‭ ‬جيدًا‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الأمر‭ ‬بعينين‭ ‬لامعتين‭: ‬‮«‬صدقيني‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬بجانبي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ )‬يقصد‭ ‬لحظة‭ ‬كتابة‭ ‬النص‭( ‬لأقسمت‭ ‬بأنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬كتبه‮»‬‭.‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬لحظة‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬والنظام‭ ‬الإجتماعي‭ ‬وسلطة‭ ‬الأقنعة‭ ‬التي‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬كاتب‭ ‬إلى‭ ‬طائر‭ ‬يشهد‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬علو

وهذا‭ ‬ما‭ ‬أشعر‭ ‬بأنه‭ ‬قد‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬‮«‬خليفة‭ ‬الفاخري‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يحاول‭ ‬بيع‭ ‬الريح‭ ‬للمراكب‭ ‬ظنا‭ ‬منه‭ ‬بأنه‭ ‬أصبح‭ ‬مع‭ ‬شراسة‭ ‬وأحادية‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬مجرد‭ ‬دودة‭ ‬حقيقية‭ ‬وأحيان‭ ‬أخرى‭ ‬فأر‭ ‬يكسوه‭ ‬الفراء‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬الفاخري‭ ‬قد‭ ‬أدرك‭ ‬بعقله‭ ‬اللا‭ ‬واعي‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يُخلق‭ ‬إلا‭ ‬للتحليق‭ ‬والتصفيق‭ ‬بأجنحة‭ ‬عظيمة‭ ‬فوق‭ ‬

‭)‬المراعي‭ ‬المترامية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬البصر‭ ‬والأشرعة‭ ‬العملاقة،‭ ‬والسحابات‭ ‬الريشية‭ ‬المتوهجة‭(.‬

وهذا‭ ‬حلمه‭ ‬الذي‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬دودة‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬ثغرة‭ ‬إلى‭ ‬ثغرة‭ ‬أمام‭ ‬مناقير‭ ‬الطيور‭ ‬الحادة‭ ‬إلى‭ ‬فأر‭ ‬غريب‭ ‬يتمرغ‭ ‬في‭ ‬الورق‭ ‬ويقرض‭ ‬الكتب‭ ‬والشِعر‭ ‬ثم‭ ‬خفاش‭ ‬خجول‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬التحليق‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬‮«‬تكتسي‭ ‬السماء‭ ‬بشحوب‭ ‬غامق‭.‬

يعتقد‭ ‬الفاخري‭ ‬أن‭ ‬المرء‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬طائرًا‭ ‬بأجنحة‭ ‬من‭ ‬ورق‭ ‬التبغ‭ ‬المحروق،‭ ‬أو‭ ‬كأس‭ ‬حارق‭ ‬مع‭ ‬قطعة‭ ‬ليمون‭ ‬يجوب‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬البحار‭ ‬والجزر‭ ‬والقلاع‭ ‬كالرحالة‭ ‬‮«‬سندباد‮»‬،‭ ‬ويملأ‭ ‬جرابه‭ ‬بالحكايا‭ ‬والذكريات‭ ‬دونما‭ ‬يفقد‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬حقيقته‭ ‬البشرية‭ ‬المحكومة‭ ‬بجاذبية‭ ‬الأرض‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى