
)وحين تنتهي غربة النهر في مقبرة البحر، يكون قد ترك خلفه ضفافًا معشّبة، ومراعٍ، وحقولاً غامرة بالخير والسلام(.
ما إن تبدأ بقراءة )بيع الريح للمراكب( لخليفة الفاخري حتى تشعر بتلك الحالة السحرية التي تتملك الكاتب وهو ينسج نصًا استثنائيًا، كأنه معلق بين السماء والأرض.
عندما يرتقي السردُ لمستوى ما يشعر الكاتبُ بأنه يتدلى بين الواقع، وخياله الذي شكّل ملامح هذا النص.
حدثني يومًا ما أحد الكُتّاب عن الحالة الغيبوبية التي تتملكه حينما يكتب نصًا جيدًا.
لقد كان يتحدث عن الأمر بعينين لامعتين: «صدقيني لو كان هناك شخص بجانبي في تلك اللحظات )يقصد لحظة كتابة النص( لأقسمت بأنه هو من كتبه».
تلك هي لحظة الانفصال عن الواقع والنظام الإجتماعي وسلطة الأقنعة التي يتحول فيها من كاتب إلى طائر يشهد الحقيقة من علو
وهذا ما أشعر بأنه قد حدث مع «خليفة الفاخري» عندما كان يحاول بيع الريح للمراكب ظنا منه بأنه أصبح مع شراسة وأحادية الحكم في ليبيا مجرد دودة حقيقية وأحيان أخرى فأر يكسوه الفراء.
يبدو أن الفاخري قد أدرك بعقله اللا واعي على الأقل أنه لم يُخلق إلا للتحليق والتصفيق بأجنحة عظيمة فوق
)المراعي المترامية على مدى البصر والأشرعة العملاقة، والسحابات الريشية المتوهجة(.
وهذا حلمه الذي حوله من دودة تهرب من ثغرة إلى ثغرة أمام مناقير الطيور الحادة إلى فأر غريب يتمرغ في الورق ويقرض الكتب والشِعر ثم خفاش خجول لا يجيد التحليق إلا عندما «تكتسي السماء بشحوب غامق.
يعتقد الفاخري أن المرء قد يصبح طائرًا بأجنحة من ورق التبغ المحروق، أو كأس حارق مع قطعة ليمون يجوب من خلالها البحار والجزر والقلاع كالرحالة «سندباد»، ويملأ جرابه بالحكايا والذكريات دونما يفقد شيئًا من حقيقته البشرية المحكومة بجاذبية الأرض.



