
لم يعد الأمن السيبراني ترفاً تقنياً تنحصر تداعياته داخل أروقة المكاتب الفنية، بل أضحى عصب الاستقرار المالي والسيادة الوطنية للدول. وفي ظل التطور الرقمي المتسارع الذي تشهده المؤسسات المصرفية، يفرض تساؤل جوهري نفسه عقب الحادثة الأخيرة: لماذا توقع خبراء المال والاقتصاد اختراق منظومة المصرف المركزي؟ القراءة المتأنية لآراء المحللين تكشف أن الأزمة لا تكمن في وقوع فعل القرصنة ذاته – إذ هو ضريبة حتمية للرقمنة الشاملة – بقدر ما تكمن في مستويات الجاهزية المؤسسية، وإستراتيجيات التعامل مع ما يُعرف بـ «ما بعد الصدمة»، وهو ما يحول هذا الحدث من مجرد خلل فني عابر إلى قضية أمن اقتصادي وطني تستدعي الشفافية المطلقة والظهور العلني لطمأنه الأسواق والمواطنين على حد سواء.
د. مراجع غيث: الشفافية هي طوق النجاة والمواجهة العلنية ضرورة متبادلة
ينظر الخبير المالي الدكتور مراجع غيث إلى الواقعة بعين الهدوء الإستراتيجي، مؤكداً أن ما حدث لمنظومة المصرف المركزي لا ينبغي أن يُصنف كأمر مرعب أو كارثي. فهذه الهجمات تقع يومياً في كبريات المؤسسات المالية على مستوى العالم؛ فبينما يبتكر المطورون منظومات جديدة لحماية البيانات، يظهر دائماً في المقابل من يحاول استغلال الثغرات وتحقيق مكاسب غير مشروعة، ولسنا استثناءً من هذا العالم المتداخل بكافة دوله المتقدمة والنامية.
ويشدد الدكتور غيث على حتمية المواجهة المكشوفة مع الجمهور قائلاً: «المهم أن نتكلم عنها بكل شفافية، وأن نوضح للناس مخاطرها وكيف نستطيع مواجهتها». ويرفض غيث بشكل قاطع اتخاذ السكوت والصمت أسلوباً للتعامل مع هذه الأزمات الرقمية، معتبراً أن الغياب عن المشهد وعدم التوضيح لا يخدم مصلحة المصرف ولا مصلحة المواطنين. فالممارسات العالمية المستقرة تفرض على الدول الإعلان عن هذه الهجمات وتوضيح أسبابها والخطوات المتخذة لتفاديها، وذلك لتنبيه المجتمع ورفع منسوب الوعي لديه. وفي رسالة طمأنة حاسمة، يؤكد غيث أن الأموال ما زالت في الحفظ والصون، فكم
ا أن هناك من يخترق، هناك دوماً في المقابل خطوط دفاعية تواجه هذه القرصنة بكفاءة.
د. حلمي القماطي: ثلاثة مستويات تفكك تداعيات الاختراق وتضعه في حجمه الحقيقي
من زاوية التحليل الاقتصادي الهيكلي، يرى الدكتور حلمي القماطي ضرورة تفكيك أثر هذا الاختراق عبر دراسته على ثلاثة مستويات متصاعدة الحساسية:
– المستوى التشغيلي: إذا اقتصر الأمر على تعطيل بعض الأنظمة الداخلية، فإن الأثر يظل مؤقتاً ومحصوراً في تأخير تقديم الخدمات والوقت المستغرق لإعادة تشغيل المنظومة واستعادتها.
المستوى المعلوماتي: تبرز المخاطر الحقيقية إذا أسفرت العملية عن تسريب بيانات مالية أو مصرفية حساسة، إذ يمس هذا المحور سرية المعلومات مباشرة ويزعزع الثقة العامة في المنظومة المصرفية برمتها.
المستوى الاستراتيجي: يمثل هذا المستوى الجانب الأشد خطورة، نظراً لاعتماد المصرف المركزي المتزايد على التحول الرقمي الشامل ومنظومات الدفع الإلكتروني الحديثة، مثل منظومة «راتبك لحظي» وغيرها. بناءً على ذلك، فإن نجاح أي اختراق يطرح تساؤلات حتمية وجادة حول الأمن السيبراني للبنية المالية للدولة ككل.
ويخلص الدكتور القماطي إلى مقاربة متزنة تبتعد عن التهويل والتقليل في آن واحد، معتبراً أن استهداف أنظمة المصرف المركزي يمثل جرس إنذار حقيقي للأمن القومي المالي. فالقضية تتجاوز نطاق المؤسسة المصرفية المعزولة لتطال بنية تحتية سيادية تدير النقد، والاحتياطيات، والمدفوعات، والبيانات المالية الحيوية. ويرى القماطي أن التحدي الأكبر لا يقف عند حدود معرفة وقوع الاختراق، وإنما يمتد إلى كشف كيفية وقوعه، وحصر الأضرار الفعلية الناجمة عنه، والتدابير الكفيلة بمنع تكراره مستقبلاً، ما يستوجب التعامل مع الحدث بوصفه قضية أمن اقتصادي وطني متكامل.
د. محمد الصريط: المفاجأة ليست في حدوث القرصنة بل في ارتباك آليات الصد
ومن منظور الجاهزية التقنية، لا يرى الدكتور محمد الصريط في هذا الاختراق أمراً مفاجئاً، مؤكداً أن القرصنة الإلكترونية باتت خطراً متوقعاً يهدد جميع المؤسسات حول العالم دون استثناء. ويوضح الصريط أن المفترض في أي نظام لتقنية المعلومات داخل المؤسسات الحساسة هو وضع هذه التهديدات في الحسبان وتجهيز البنية التحتية لصدها وحماية البيانات عبر منظومات متطورة وتحديثات دورية صارمة.
ويعرب الدكتور الصريط عن استغرابه من عدم جاهزية المصرف لمواجهة مثل هذه الطوارئ، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي يكمن في مرحلة «ما بعد الصدمة» وكيفية إدارة الأزمة بعد وقوع الاختراق. ويتطلب التعامل الاحترافي توفر نسخ احتياطية شاملة ومحدثة للبيانات، مدعومة بآلية استجابة سريعة يقودها فريق تقني على درجة عالية من الخبرة والقدرة الفنية لمواجهة هذه الأحداث وتطوير أدوات الحماية ومواكبة مستجدات تكنولوجيا المعلومات.
ويختتم الصريط تشخيصه للمشهد مؤكداً أن وقوع القرصنة لا يشكل صدمة بذاته، نظراً لوجود شبكات افتراضية منظمة ومستمرة تستهدف اختراق المؤسسات المالية للسيطرة على الأرصدة والتحركات المالية؛ وإنما تتبلور الصدمة الحقيقية عندما تعجز المؤسسة السيادية عن معالجة الاختراق بطريقة سليمة وحاسمة تمكنها من حماية بياناتها وأرصدتها بصفة عامة وتأمين سلامتها المستدامة.
