الرئيسية

ماراثون الامتحـــــانات..جاهزية على الورق وتحديات ميــدانـية تُربك المشهد

انتصار المغيربي

على عتبة استحقاق تعليمي حبس الأنفاس في آلاف البيوت الليبية، تتجه الأنظار صوب لجان الامتحانات مع اقتراب ساعة الصفر لشهادة إتمام مرحلة التعليم الثانوي والتعليم الفني المتوسط للعام الدراسي 2025-2026. حالة من الترقب والوجوم تخيم على الطلاب وأولياء الأمور على حد سواء، باعتبار هذه المرحلة الجسر المصيري نحو المستقبل الجامعي والمهني .. ومع تدفق البيانات الرسمية من وزارة التربية والتعليم ومراقباتها، والمديريات الفنية التي تؤكد اكتمال الاستعدادات الإدارية التدابير الميدانية ، يبرز السؤال الجوهري الحاضر في الشارع الليبي: هل تملك المنظومة التعليمية القدرة على ترجمة هذه الجاهزية «الورقية» إلى واقع ميداني يضمن تكافؤ الفرص ويحمي نزاهة الامتحانات؟
مؤشرات رقم وتدابير صحية في خط المواجهة تتوزع خارطة الترتيبات عبر البلديات بكثافات متباينة تعكس حجم العبء الملقى على عاتق الإدارات المحلية. وتكشف البيانات الميدانية حجم التعبئة البشرية واللوجستية التي رُصدت للماراثون الامتحاني الحالي:
لجنة مركزية موسعة
في نطاق بلدية عين زارة، تفصل الدكتورة نورا القذافي، رئيسة مكتب الصحة المدرسية بالمراقبة، الجاهزية الطبية مشيرة إلى أن التنسيق الفني بلغ مراحله الأخيرة. وتوضح أن المراقبة تحتضن في قسم الشهادة الثانوية 2385 طالباً وطالبة، يتوزعون بين 1067 في القسم العلمي، و1318 طالبة إلى جانب طلاب القسم الأدبي.
وتضيف الدكتورة أن المكتب جهّز 45 عيادة صحية داخل المؤسسات التعليمية لمواكبة الحالات الطارئة، مع التركيز على أصحاب الأمراض المزمنة، مؤكدة أن مرافقة المشرف الصحي والمسعف لقاعات الامتحانات باتت عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه لضمان بيئة مستقرة نفسياً وبدنياً.
عين زارة.. جاهزية مشوبة بضعف البنية التحتية
من جانبه، يبدي الأستاذ فتحي نصير، مسؤول الامتحانات في بلدية عين زارة، تفاؤلاً حذراً؛ إذ يؤكد أن المناطق كافة أصبحت على أهبة الاستعداد بتجهيز 36 لجنة امتحانية التزمت بالمعايير الصارمة للمركز الوطني للامتحانات. ويرى نصير أن إنجاح هذا الحدث يمثل مسؤولية وطنية تضامنية تتطلب التنسيق بين مختلف القطاعات.
بيد أن نصير يفتح ملفاً مسكوتًا عنه يتعلق بظروف عمل الطواقم الإدارية نفسها؛ فمقر المراقبة يفتقر للتجهيزات الأساسية، ويعاني من تقلبات الطقس القاسية قسوة الصيف وبرد الشتاء، فضلاً عن تسربات المياه التي تهدد سلامة الملفات، مناشداً السلطات بضرورة الالتفات الفوري لبيئة العمل الإداري.
هذه التحديات الهيكلية يعززها الأستاذ هشام الهبهاب، مدير مكتب التعليم الثانوي بعين زارة، كاشفاً عن معضلة «الاكتظاظ المزمن»؛ حيث يتدفق على البلدية طلاب من عدة بلديات مجاورة في طرابلس الكبرى. هذا التدفق العشوائي رفع الكثافة الطلابية إلى نحو 70 طالباً في الفصل الواحد، في ظل محدودية المباني المدرسية أمام النمو السكاني المتسارع.
ويلفت الهبهاب إلى نقص المقاعد الدراسية، والاضطرابات التي تسببها أعمال صيانة الطرق على مواعيد وصول الطلاب، ناهيك عن الشح الحاد في أساسيات البنية التحتية كالمياه، وأجهزة التبريد، ومواد النظافة العامة.
المدارس في مواجهة الكثافة الطلابية ومخاطر الطرق
تتطابق شهادات القيادات التربوية في المدارس مع توصيف الأزمة؛ إذ تؤكد الأستاذة مروة السائح، مديرة مدرسة الوفاق، أن الطواقم التعليمية بذلت جهوداً مضنية في تهيئة القاعات وتوزيع أرقام الجلوس، وتقديم الدعم النفسي والإرشادي للطلاب. غير أنها تشير بصراحة إلى أن أزمة تكدس الفصول تظل العائق الأكبر الذي يتطلب استراتيجية وطنية لبناء مؤسسات تعليمية جديدة وتطوير خدمات البيئة المدرسية.
وفي سياق متصل، تروي الأستاذة جميلة عبد الحميد الزقلوط، مديرة مدرسة عين زارة، قصة 195 طالبة استقبلتهن المدرسة عقب الانتهاء من أعمال الصيانة. ورغم إتمام التجهيز، تصطدم الإدارة بكثافة خانقة تصل إلى 70 طالبة في القاعة الواحدة، مضافاً إليها خطورة الطريق العام المؤدي للمدرسة، الذي يفتقر لأبسط قواعد السلامة المرورية وجسور المشاة، مما يضع حياة الطالبات على المحك يومياً.
على الجانب الآخر من العاصمة، تؤكد الأستاذة فاطمة محمد من قطاع التعليم بسوق الجمعة، أن المراقبة استكملت جاهزيتها الكاملة عبر تنظيم 19 لجنة امتحانية متكاملة لاستيعاب 3750 طالباً وطالبة من المسجلين بنظام المنازل.
التعليم الفني.. حراك إداري مكثف لإثبات الجاهزية
على ضفة التعليم التقني والفني، تسابق الإدارات الزمن لضمان انطلاقة خالية من العثرات. ويؤكد الدكتور صلاح سلامة، المدير العام للمعاهد الفنية المتوسطة، أن كافة المعاهد على مستوى البلاد أصبحت في وضعية الاستعداد التام.
وفي إطار المتابعة اللصيقة، شهد ديوان مكتب المعاهد الفنية المتوسطة بطرابلس، يوم الخميس 25 يونيو 2026، زيارة تفقديّة رفيعة المستوى ضمت وكيل وزارة التعليم التقني والفني لشؤون التعليم الفني المتوسط، الدكتور عبد القادر غنية، ومستشاره الأستاذ محمد الحجاجي.
الزيارة التي شهدت اجتماعاً موسعاً بحضور مدير مكتب طرابلس الأستاذ حسين الشروي ورؤساء الوحدات، ناقشت ملفات حيوية تصدرتها المستحقات المالية المتأخرة للموظفين ببلدية طرابلس الكبرى، وتذليل الصعاب الميدانية لرفع كفاءة الأداء قبل انطلاق الاختبارات بيومين. وشدد الدكتور غنية خلال جولته على التزام الوزارة المطلق بدعم المعاهد وتعزيز دورها في رفد سوق العمل بالكوادر المؤهلة، معرباً عن ثقته في تضافر الجهود لإنجاح الامتحانات.
تأكيدات الإدارة تدعمها الأستاذة وصال عمر، موظفة إدارية بالقطاع، مشيرة إلى تميز عدة مؤسسات في التحضيرات الاستباقية؛ حيث أنهى معهد «أحفاد الشهداء للمهن الميكانيكية والكهربائية» تجهيز القاعات وتوفير مياه الشرب للطلاب وتأمين لجان الإشراف وفي معهد «الأندلس للمهن الميكانيكية والكهربائية»، تتواصل الجهود بروح الفريق الواحد تحت إشراف مديره الأستاذ ناصر حويل، الذي يضع استقرار البيئة الامتحانية كأولوية قصوى. ويعد معهد الأندلس من أكبر المراكز الامتحانية هذا العام؛ إذ يستوعب قاعات مجهزة بالكامل لاستقبال 191 طالباً وطالبة من طلاب المعاهد الخاصة ومعهد غوط الشعال، وسط تدابير تنظيمية صارمة.
خلف الكواليس.. صرخة المعلمين المكتومة وتحدي الغش خلف النبرة التفاؤلية للمسؤولين، تتردد على منصات التواصل الاجتماعي أصوات مغايرة تعبر عن هواجس حقيقية لطواقم المراقبة. فرغم صرامة الإدارات وتلويحها بتطبيق قانون العمل لمنع تغيب المعلمين، يرى الكثير من الملاحظين أن الإشراف على الامتحانات تحول إلى عبء نفسي وأمني ثقيل.
تختصر المعلمة ليلى عمران المشهد مؤكدة أن ضبط لجان الامتحانات ومواجهة ظاهرة الغش يستنزف طاقة المعلم في ظل غياب وسائل الحماية والإمكانيات. وتشاركها الرأي المعلمة رجاء علي، مستنكرة تجميد مكافآت الإشراف المالي لسنوات طويلة رغم كونها حقاً قانونياً أصيلاً، فضلاً عن تعرض بعض الملاحظين لتهديدات وضغوطات داخل اللجان وخارجها.
ويذهب الأستاذ محمد بن بركة إلى وصف الإشراف بأنه «عمل بلا مقابل» محذراً من التبعات والمخاطر الأمنية التي تلاحق المعلم عقب انتهاء أعمال المراقبة. هذا الواقع المرير دفع المعلمة وفاء مفتاح إلى الانسحاب الكامل من لجنة الإشراف؛ بعدما واجهت ضغوطاً للتساهل مع الطلاب، مفضلة حماية ضميرها المهني على الانخراط في منظومة مجاملات تخل بمبدأ العدالة.ي الحفظ والتحصيل.. رؤية الطلاب لواقجان
لا تنفصل آراء الطلاب عن التقييم العام للمشهد؛ إذ يقر الطالب مفتاح الشرشاري بأن ظاهرة الغش تجد بيئة خصبة في بعض لجان البنين، عازياً ذلك إلى ضعف الانضباط العام، وعدم استكمال شرح المناهج الدراسية المقررة، ناهيك عن التعقيد المبالغ فيه في صياغة بعض الأسئلة الامتحانية.
ومن زاوية أخرى، ترى الطالبة زهرة وسيم العالم أن الغش ليس خياراً سهلاً في جميع اللجان، لكنها ترجع جذور المشكلة إلى طبيعة المناهج الضخمة التي تعتمد على التلقين والحفظ الأعمى بدلاً من الفهم الحقيقي، واقترحت زهرة كحل بديل أن تتولى الوزارة إعداد مذكرات مراجعة رسمية ومبسطة تساعد الطلاب على الاستعداد العلمي والنفسي، وتساهم بشكل فعال في محاصرة ظاهرة الغش.
آفاق الاستحقاق الوطني.. بين النزاهة والواقع الميداني
تضعنا المعطيات المتشابكة أمام حقيقة مزدوجة: ثمة جهد تنظيمي حقيقي وجدير بالاحترام تبذله الكوادر التعليمية والإدارية، إلا أنه يصطدم بأزمات بنيوية مزمنة تراكمت عبر السنوات. وتظل قضايا الاكتظاظ الخانق، وتهالك البنية التحتية، ونقص الخدمات الأساسية، وغياب الحوافز المادية والمعنوية للمعلمين، بمثابة قنابل موقوتة تهدد سلامة العملية الامتحانية.

بين الإصرار الرسمي على إنجاح الاستحقاق الوطني، والمخاوف المشروعة التي تبديها القواعد الميدانية من معلمين وطلاب، يظل الرهان معلقاً على الأيام القادمة: فهل تنجح التدابير اللوجستية في العبور بالامتحانات إلى بر الأمان وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، أم أن الواقع الميداني بعقباته الصعبة سيفاجئ الجميع مجدداً ليفرض كلمته؟

التدفق العشوائي رفع الكثافة الطلابية إلى نحو 70 طالب في الفصل الواحد
الإشراف على الامتحانات تحول إلى عبء نفسي وأمني
ضخامة المنهج وأسلوب التلقين
الاسباب الرئيسية للغش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى