بين الرسالة الأمنية وإغراء الترند هل غيّرت بعض الصفحات الأمنية أولوياتها؟
أسماء الشواري
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في أسلوب النشر الإعلامي لبعض الصفحات التابعة للمؤسسات الأمنية، حيث أصبحت مقاطع الفيديو التي تتضمن اعترافات صوتية أو مصورة لموقوفين خلال مرحلة جمع الاستدلال، وصور ضبطهم، وتفاصيل القضايا، تحظى بمساحة واسعة من النشر، وغالبًا ما تحقق انتشارًا كبيرًا على منصات التواصل الاجتماعي.
هذا التحول يطرح سؤالًا مشروعًا هل ما زالت الرسالة الأمنية تركز على تعزيز الأمن والوقاية وبناء الثقة مع المجتمع، أم أنها أصبحت تنجرف أحيانًا وراء منطق «الترند» وعدد المشاهدات؟
إن مرحلة جمع الاستدلال هي مرحلة أولية تسبق التحقيق القضائي، ولا تمثل دليلًا نهائيًا على الإدانة، فالموقوف في هذه المرحلة يظل متمتعًا بقرينة البراءة إلى أن يصدر حكم قضائي بات، ولذلك، فإن نشر اعترافاته أو أقواله للرأي العام قبل عرضها على القضاء يثير تساؤلات قانونية وحقوقية، خاصة إذا تغير مسار القضية لاحقًا أو انتهت بحفظها أو بالبراءة.
كما أن الاعتراف، في المفهوم القانوني، ليس سيد الأدلة، بل هو عنصر من عناصر الإثبات يخضع لتقدير جهات التحقيق والمحكمة، وقد يتراجع عنه صاحبه أو يثبت أنه صدر في ظروف لا تجعله كافيًا وحده للإدانة.
ومن الجانب الحقوقي، فإن احترام خصوصية الأشخاص وصون كرامتهم وعدم التشهير بهم يمثل جزءًا من الالتزامات التي تقع على عاتق المؤسسات العامة، لأن دورها لا يقتصر على مكافحة الجريمة، بل يمتد إلى حماية الحقوق والحريات التي يكفلها القانون.
ولا شك أن من حق المؤسسة الأمنية أن تعلن عن نجاحاتها في ضبط الجناة، وأن تطمئن المواطنين إلى كفاءة أجهزتها، وأن تعزز ثقة المجتمع في جهودها، غير أن هذا الهدف يمكن تحقيقه بوسائل مهنية، من خلال نشر وقائع الضبط، وشرح الأساليب الإجرامية، وتقديم رسائل توعوية، وإبراز الجهد الأمني، دون الحاجة إلى بث اعترافات الموقوفين أو تحويلهم إلى مادة إعلامية قبل اكتمال الإجراءات القضائية.
إن الإعلام الأمني الناجح لا يُقاس بعدد المشاهدات أو سرعة الانتشار، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين الشفافية، واحترام القانون، وصون حقوق الإنسان. فكلما التزمت المؤسسة الأمنية بهذه المعايير، ازدادت مصداقيتها وثقة المجتمع بها.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا أمام القائمين على الإعلام الأمني، هل الغاية هي تحقيق انتشار رقمي مؤقت، أم ترسيخ صورة مؤسسة تحترم القانون وتقدم نموذجًا مهنيًا يليق برسالتها؟ فالنجاح الحقيقي لا تصنعه الترندات، بل تصنعه المهنية والالتزام بسيادة القانون.

