
تتجدد مع كل صيف فصول المعاناة في مناطق الجنوب الليبي، حيث تتحول درجات الحرارة المرتفعة إلى كابوس يضاعف من وطأة أزمة شح المياه. وفيما تبدو المياه حاجة أساسية، إلا أنها باتت اليوم رهينة لشبكة كهربائية متهالكة، مما يضع آلاف الأسر والمزارعين أمام واقع معيشي يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.
وادي الشاطئ: صراع المضخات وتلف المحاصيل
في بلدية وادي الشاطئ، يصف المواطن «محمد اخماسي» المشهد بوضوح، مؤكداً أن تذبذب التيار الكهربائي هو المحرك الرئيسي للأزمة. ويوضح «اخماسي» أن الاعتماد الكلي على الآبار الجوفية جعل من عدم استقرار الجهد الكهربائي تهديداً مستمراً، حيث يؤدي تذبذب التيار إلى تلف المضخات وتوقف الإمدادات، إضافة إلى تكبد المزارعين خسائر جسيمة نتيجة عطش محاصيلهم.
أوباري.. بين مطرقة التجار وسندان الغياب الرسمي
في مدينة أوباري، تتخذ الأزمة أبعاداً اجتماعية قاسية. تنقل المواطنة «عزة آدم» صرخة الأمهات، حيث تشير إلى أن مشكلة المياه تتكرر كل صيف، وأحياناً تقضي الأسر الموسم كاملاً دون قطرة ماء واحدة. وتضيف بحرقة أن تجار الأزمات استغلوا الوضع لرفع سعر نقلة المياه إلى أكثر من 50 ديناراً للعبوة الواحدة، وهو عبء لا يتحمله الموظف البسيط. وتؤكد أن المعاناة تصل ذروتها مع فترة الامتحانات، حيث يعجز الأبناء عن أبسط حقوقهم في التنظيف قبل الذهاب للمدارس، كما تعجز الأسر عن تلبية أبسط الاحتياجات المنزلية.
بنت بية.. حلقة مفرغة من الأزمات المتداخلة
من جانبه، يرى المواطن «فتحي الصغير» من بلدية بنت بية، أن الأزمات في المنطقة مرتبطة ببعضها البعض في حلقة مفرغة؛ حيث تسبب نقص الوقود والديزل، إلى جانب أزمة الكمية البسيطة المخصصة للجنوب، في تفاقم أزمة المياه بشكل مباشر. ويضيف الصغير أن عمليات طرح الأحمال وضعف الشبكة العامة للكهرباء قد تضافرت جميعها لخلق هذه الأزمة المتكررة، مؤكداً أن الأمر برمته يحتاج إلى تدخل عاجل وسريع من قبل الجهات المختصة لوضع حلول جذرية تنهي هذه المعاناة المستمرة.
تراغن والشرقية.. صراع الترقب والانتظار
وفي بلدية الشرقية، يؤكد المواطن «علي محمد زيدان» أن الأزمة متكررة وتتجدد كل صيف بسبب ضعف التيار الكهربائي، مشيراً إلى أن هذه الأزمة تتجاوز قدرات البلديات المحدودة وتتطلب تدخلات مركزية حقيقية.
أما في تراغن، فتختصر المواطنة «حليمة السنوسي» حياة المواطن بقولها إنهم أصبحوا يعيشون على وقع عودة التيار الكهربائي المتذبذب، وينتظرون ساعات طويلة من الترقب فقط ليتمكنوا من تعبئة خزان البيت. وتؤكد «السنوسي» أن المواطن يعاني على كافة الأصعدة، مطالبة بحل نهائي ينهي هذا العطش المستمر.
رؤية شاملة حول الأزمة (وادي الشاطئ وأوباري)
يرى كل من «وسام عبد الكبير» مهتم بالشأن العام في وادي الشاطئ و«محمد واسلي» ناشط في أوباري في رؤية مشتركة أن معاناة المواطن في الجنوب مع انقطاع المياه لا يمكن وصفها بالكلمات؛ لأن توقف الماء يعني توقف الحياة بكل تفاصيلها، بما في ذلك الشرب والاستعمال البشري واحتياجات المستشفيات والزراعة، وهو ما يمثل معاناة إنسانية حقيقية يواجه فيها المواطن صراعاً يومياً مشتتاً بين نقص الوقود وانقطاع الكهرباء.
ويؤكد أن أن أصل هذه الأزمة هو تذبذب وانقطاع التيار الكهربائي الذي يتفاقم في فصل الصيف بشكل يحول دون تشغيل آبار المياه بشكل مستمر، مشددين على أن معالجة موضوع الكهرباء يجب أن تكون الأولوية القصوى قبل أي تحرك آخر، معتبرين أن الحلول الإسعافية المتمثلة في توفير مولدات خاصة للآبار هي مجرد إجراءات محدودة.
وعند الحديث عن المسؤولية، يوضحان أن الأزمة أصبحت أكبر من قدرة المواطن العادي وحتى من قدرات المجالس البلدية التي تعاني من انعدام التمويل وقيود الصلاحيات المفروضة عليها؛ فهناك فرق شاسع بين الحلول النظرية الممكنة وبين حقيقة العجز الذي تعاني منه الجهات الخدمية في توفير أبسط الحقوق للمواطنين في ظل غياب استراتيجية حقيقية للتعامل مع هذا الوضع المزمن.
ويشير «واسلي» إلى أن غياب الحلول الرسمية لم يترك للمواطنين خياراً سوى الاعتماد على أنفسهم، مؤكداً أن الأزمة ليست وليدة الصدفة بل نتاج لسوء التخطيط، مستشهداً بمحاولة حفر بئر في أوباري وصلت إلى عمق 390 متراً دون العثور على مياه، في حين أن الوديان المجاورة تتوفر فيها المياه عند عمق 250 متراً فقط، وهو ما يجسد بوضوح غياب الدراسات الفنية والمهنية.
ويكشف «واسلي» بمرارة أن المواطن أصبح هو الممول والمنفذ الأول للخدمات، حيث اضطر أهالي حي النمار لجمع مبلغ 15 ألف دينار من جيوبهم الخاصة لصيانة خط الكهرباء 11/14، وهو مبلغ ضخم يتحمله المواطن البسيط لتوفير احتياجات يفترض أنها ضمن التزامات الدولة تجاهه. ويؤكد أن هذه الأزمات المركبة، مع انقطاع المياه الذي يصل في بعض المناطق إلى 15 يوماً، تضطر السكان لاستخدام مياه غير صالحة للشرب، مشيراً إلى أن حالة الحسرة التي يعيشها المواطن هي النتيجة الطبيعية لوعود لم تُنفذ منذ عام 2013 وحتى عام 2024، مما يثبت غياب الرؤية التنموية.
20 عاماً من العطش: صرخة حي النمار المنسي في أوباري
في قلب مدينة أوباري، وبينما تتسارع خطى التنمية في كثير من المناطق، يقف «حي النمار» شاهداً على مفارقة قاسية؛ حيث يغيب أبسط حقوق الإنسان الأساسية وهو مياه الشرب عن منازل السكان منذ عقدين كاملين. لقد حوّل هذا الانقطاع الطويل الذي امتد لعشرين عاماً حياة الأهالي إلى رحلة معاناة يومية مع الوعود الرسمية التي لم تتجاوز حدود الورق، فارضةً على السكان نمط حياة اضطرارياً يعتمد على الصهاريج الخاصة بدلاً من الشبكات العامة، وهي مأساة لا تعكس سوى تراكم الإهمال وفشل الإدارة في حل ملفات حيوية باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي للسكان الذين فقدوا الأمل في استجابة الجهات المسؤولة.



