
لم يعد الجدل الدائر حول الغش في امتحانات الشهادة الثانوية مجرد نقاش أخلاقي أو قانوني، بل أصبح مرآة تعكس أزمة تعليمية عميقة تتجاوز الطالب إلى المنظومة بأكملها. فلا أحد يختلف على أن الغش سلوك مرفوض دينيًا وتربويًا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن مطالبة الطالب بالنزاهة، بينما تُحرم العملية التعليمية من أبسط مقومات العدالة؟.النزاهة ليست شعارًا يُرفع داخل قاعات الامتحانات، بل ثقافة تبدأ منذ أول يوم دراسي. تبدأ عندما تصل الكتب في موعدها، وتُنفذ المناهج وفق خطة واضحة، ويحظى الطالب ببيئة تعليمية مستقرة، وكهرباء لا تنقطع، وفصول دراسية تليق بكرامة المتعلم، وأسئلة تقيس الفهم لا القدرة على تحمل الصدمات..إن تحميل الطالب وحده مسؤولية ما يحدث هو اختزالٌ لمشكلة أكبر. فحين يدرس في ظروف استثنائية، ويواجه نقصًا في الوسائل التعليمية، ثم يُفاجأ بامتحانات لا تراعي تلك الظروف، فإن الخلل لا يكمن في الطالب وحده، بل في السياسات التي صنعت هذه الفجوة بين الواقع وما يُطلب منه..وزارة التعليم مطالبة اليوم بأن تبدأ مراجعة مفهوم النزاهة من داخل مؤسساتها قبل أن تطالب بها أبناءها. فالنزاهة الحقيقية تعني تكافؤ الفرص، وعدالة المناهج، ووضوح معايير التقييم، واحترام حق الطالب في تعليم كريم. أما الاكتفاء بتشديد الرقابة داخل اللجان، فلن يعالج أصل الأزمة، بل سيؤجل انفجارها..إن إصلاح التعليم لا يبدأ بمحاربة نتائج الفشل، بل بإزالة أسبابه. فالطالب لا يطلب امتيازات استثنائية، وإنما يطالب بحقه الطبيعي في تعليم عادل، وامتحان منصف، ومستقبل لا تحدده الأخطاء المتراكمة لمنظومة كان يفترض بها أن تحميه، لا أن تدفعه إلى مواجهة مصيرٍ غير متكافئ. وعندما تتحقق العدالة، تصبح النزاهة سلوكًا طبيعيًا، لا معركةً تُفرض على طالبٍ أنهكته الظروف قبل أن تبدأ ورقة الامتحان.



