
بين متوقعٍ ورافض، ومرحبٍ ومتفاجئ؛ استقبل الشارع الليبي والأوساط المالية، في 10 أغسطس 2026، قرار محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، بطلب إعفائه من منصبه السيادي. خطوةٌ جاءت في مرحلة هي الأكثر حساسية وتأثيراً على المشهد المالي، لتنعكس تداعياتها مباشرةً على الاقتصاد ومعيشة الأسرة الليبية التي تئن تحت وطأة أزماتٍ لا تعرف لها محط رحال.ومع هذا القرار المُثقل برسائل صامتة في ظاهرها، صاخبة ومدوية في باطنها أجمعت الغالبية من عامة الشعب وذوي الاختصاص، على أن عيسى حاول التغلب على تلك التحديات؛ غير أن العواصف لم تشأ إلا الاستمرار في العبث، وإلحاق الانهيار بكل ما تطاله أيديها الأخطبوطية الملوثة.
يرى الخبير الاستراتيجي في الاقتصاد والمال، الدكتور خالد الكاديكي، أن تقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، استقالته يفرض إعادة قراءة دقيقة للمشهد النقدي، واصفاً سياسة المحافظ خلال الفترة الماضية بمرحلة «إطفاء الحرائق». ويوضح الكاديكي أن عيسى حاول إعادة ضبط السياسة النقدية عبر تحركات متوازية، تركزت أولاً على معالجة أزمة السيولة وإصلاح «قنوات انتقال السياسة النقدية»، وذلك بضخ مليار دولار تُباع نقداً عبر المصارف لامتصاص الطلب من السوق الموازي، بالتزامن مع تفعيل الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد الورقي. كما لجأ المركزي إلى أدوات السوق النقدية، عبر الإعلان عن الاكتتاب في شهادات الإيداع، في محاولة لسحب السيولة الزائدة وإدارة الكتلة النقدية لتخفيف الضغط على سعر الصرف واستعادة ثقة المواطن في القطاع المصرفي.
ورغم هذه الإجراءات السريعة، يشير الكاديكي إلى أن الخطوة الأهم للمحافظ المستقيل تمثلت في إدراك ضرورة ربط السياسة النقدية بالسياسة المالية؛ حيث نسق مع وزارة المالية لضبط الإيرادات النفطية والسيادية وتفعيل التحصيل الإلكتروني، ليوجه رسالة واضحة مفادها أن المصرف المركزي لا يستطيع معالجة أزمة الدينار منفرداً إذا استمر الإنفاق العام في الاتجاه المعاكس. ويخلص الخبير الاقتصادي في تقييمه للمشهد إلى أن عيسى اجتهد في معالجة «أعراض الأزمة» بسرعة، لكنه اصطدم بمشكلة أعمق من قدرة المصرف على حلها، معتبراً أن ضخ الدولار في ظل إنفاق حكومي مرتفع يظل مجرد «تأجيل مدروس» للأزمة وليس حلاً جذرياً، إذ يتطلب الإنهاء الفعلي للسوق الموازي تنسيقاً حقيقياً لضبط الإنفاق والسياسة المالية ككل.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حلمي القماطي أن استقالة عيسى تتجاوز كونها حدثاً إدارياً عادياً، لتشكل «حدثاً اقتصادياً وسياسياً يكشف حجم الاختلال في المنظومة الاقتصادية الليبية». ويعتبر القماطي أنه من الخطأ التساؤل عما إذا كان المحافظ قد نجح أم فشل، بل يجب التساؤل حول إمكانية نجاح أي مسؤول في بيئة تتسم بهذا القدر من «التشوه»؛ وسط انقسام سياسي، واقتصاد ريعي، وإنفاق عام متزايد، وسوق موازية تضغط باستمرار على النقد الأجنبي. ويوضح الخبير أن المصرف في عهد عيسى تجاوز دوره التقليدي في إدارة السياسة النقدية لينخرط في ملفات معقدة كمعالجة أزمة السيولة وضبط الإنفاق، مسجلاً «نقطة تُحسب له مؤسسياً» عبر مشاركته في تنفيذ اتفاق الإنفاق المالي الموحد في مايو 2026. غير أن المركزي وجد نفسه أمام معادلة صعبة تتمثل في محاولة الحفاظ على استقرار الدينار دون استنزاف الاحتياطيات، في ظل اقتصاد يعتمد بنسبة 90% على الإيرادات النفطية ويتوسع بشراهة في بنود المرتبات والدعم. ويختتم القماطي تقييمه بالتحذير من «خطورة منظومة الاعتمادات»، مؤكداً أن توزيع النقد الأجنبي في بيئة مشوهة يغذي المضاربة ويخلق طلباً غير منتج، ومشدداً على أن محاولات الإصلاح النقدي ستظل تصطدم بـ»اقتصاد مالي مريض»، وأنه طالما استمرت البنية المعتمدة على ثالوث (النفط، الإنفاق، الاستيراد) فإن مجرد تغيير شخص المحافظ لن يغير النتيجة النهائية. شرادة: من الضروري إنصاف جهود عيسى في استعادة الثقة الدولية بعد قطيعة دامت منذ 2014. وفي سياق متصل للتحليل، يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد شرادة، أن استقالة عيسى جاءت في «ظروف استثنائية»، حيث يتحمل المصرف المركزي أعباءً تفوق اختصاصاته جراء الانقسام الحكومي والمؤسسي المستمر. ويوضح شرادة أن غياب حكومة موحدة وقانون معتمد للميزانية منذ عام 2014، أرغم «المركزي» على تجاوز دوره الطبيعي المتمثل في إدارة السياسة النقدية، والانخراط مرغماً في مهام تنفيذية ضاعفت المسؤولية على عاتق المحافظ. وأمام هذا الواقع المعقد، قوبلت الاستقالة برفض قاطع من مجالس النواب والدولة والرئاسي، الذين طالبوه عبر مراسلات رسمية بالبقاء في منصبه، إدراكاً منهم لحساسية المرحلة التي ينعكس فيها أي اهتزاز داخل المصرف فوراً على حياة المواطن، وهو ما تجلى بوضوح في الارتفاع الأخير لسعر صرف الدولار. ويدعو شرادة إلى ضرورة «إنصاف جهود عيسى»، لا سيما نجاحه في استعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية، والذي أثمر عن استئناف تزويد المصارف بالعملة الأجنبية لأول مرة منذ عشر سنوات، مما مكّن المواطنين من صرف مخصصاتهم نقداً وتجنب خسائر البطاقات الإلكترونية. ويختتم عضو مجلس الدولة حديثه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تفرض حتمية الاستقرار في قيادة المصرف المركزي، ريثما تتحقق الإصلاحات المالية والتشريعية الغائبة والتي من شأنها تخفيف العبء عن كاهل السياسة النقدية.


