
يُعد التفتيش والتوجيه التربوي أحد المكونات الأساسية في منظومة العملية التعليمية، من متابعة الأداء داخل المؤسسات التعليمية، وتقييم عمل المعلمين، وتوجيههم بما يُسهم في تحسين جودة التعليم.
لكن المفتش التربوي اليوم يواجه جملةً من التحديات التي تؤثر بشكل مباشر على أدائه، أبرزها الأعباء المادية التي يتحملها أثناء تأدية مهامه، في التنقل، والمتابعة الميدانية للمدارس، إضافة إلى تأخر المستحقات، والمطالبة بتحسين الأوضاع الوظيفية.
في المقابل تبرز النقابة العامة للتفتيش والتوجيه التربوي كإطار مهني يسعى للدفاع عن حقوق المفتشين وإنصافهم، والعمل على تحسين بيئة العمل بما يليق بمكانة هذه المهنة ودورها المحوري في تطوير التعليم.
في هذا اللقاء، نفتح حوارًا مع النقيب العام للنقابة العامة للتفتيش والتوجيه التربوي، أ.مليود انبيص للحديث عن طبيعة المهنة ومهامها، وحجم التحديات، والصعوبات التي تواجه المفتش أثناء العمل الميداني، ودور النقابة في متابعة حقوقه ومطالبه، ورؤيتها لمستقبل التفتيش التربوي، ودوره في الارتقاء بمستوى التعليم.
بدايةً..كيف تنظرون إلى أهمية التفتيش التربوي في ظل ما يشهده التعليم من تراجع؟
رد قائلاً: دون شك التفتيش التربوي هو العمود الفقري والركيزة الأساسية التي تقوم عليها العملية التعليمية، فهي ليست مجرد زيارة شكلية، بل هو الجهة الفنية المسؤولة عن إعداد التقرير الفني الذي يقيّم أداء المعلم، ويوجهه إلى المسار الصحيح، ويضمن جودة المخرجات. لكن للأسف هذه المصلحة العريقة تعاني اليوم من نزيف وعجز بشري كبير في عدد المفتشين التربويين، مما جعلها غير قادرة على تغطية كافة المدارس. فالعديد منها في المناطق البعيدة لم تصلها الزيارات السنوية، وبالتالي لم تقدم تقاريرها الفنية، وهذا خلل كبير يؤثر على تقييم المعلم، والطالب معًا.
ما قدمتم لمنتسبيكم للنقابة، وما هي أبرز مطالبكم؟
قال: النقابة العامة للتفتيش والتوجيه التربوي هي نقابة حديثة التأسيس، انطلق عملها الفعلي والمباشر في 2025، واستطعنا خلال فترة وجيزة تأسيس 34 فرعًا نقابيًا على مستوى ليبيا من الشرق إلى الغرب والجنوب، هدفنا الأول والأخير هو الدفاع عن حقوق المفتش التربوي المسلوبة وانتزاعها. وأبرز هذه الحقوق هو «بدل المحروقات، والتنقل».
اليوم المفتش التربوي يدفع من قوت أبنائه وجزء من مرتبه الزهيد لكي يسير عمله الميداني ويتنقل بين المدارس. في السابق كان يخصص له مبلغ 100 دينار فقط كبدل محروقات يضاف للراتب، وهو مبلغ هزيل جدًا لا يسد حتى ثمن الوقود في ظل ارتفاع أسعاره، وارتفاع تكاليف صيانة السيارات وقطع الغيار. وهذا المبلغ ربما يتوافق بشكل جزئي مع المدن الساحلية المتقاربة، لكنه لا يتوافق إطلاقاً مع طبيعة عمل مفتشي الجنوب الليبي الذين يقطعون مئات الكيلو مترات بين مدرسة وأخرى في صحراء شاسعة. وهذا كله في ظل إهمال تام من المنظومة المالية لمصلحة التفتيش.
أما عن سؤالنا حول القرارات الصادرة ولم تنفذ؟.
أجاب .. نعم؛ حيث صدر قراران في عهد حكومتين مختلفتين يقضيان بمنح المفتش التربوي قيمة مالية مجزية كبدل محروقات، والتنقل، ولكن للأسف الشديد بقي هذان القراران حبرًا على ورق ولم يتم تنفيذهما حتى هذه اللحظة. وهذا الإهمال هو أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتنا لتعليق العمل الميداني، لم نعلق العمل هروبًا من الواجب، بل لكي نُسمع صوتنا للمسؤولين، ونوضح أن مطالبنا مشروعة وقانونية.
مضيفًا: أن المفتش اليوم مهمش، فلا ترقياته تمت تسويتها، ولا فروقاته المالية صرفت، ولا أوضاع المتقاعدين من المفتشين تم تحسينها. وهم مَنْ أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم، وحتى الإفراجات المالية للمستحقين منهم متوقفة تمامًا منذ عام 2025.
أين تقارير التفتيش التربوي من واقع المدارس المزري من حيث الاكتظاظ، ونقص الإمكانات؟
رد علينا .. يجب أن يفهم الجميع أن دور المفتش هو دور ناقل أمين وحيادي لِمَ يوجد داخل المدرسة، هو ينقل الصورة كما هي من حيث حالة المباني وتهالك الفصول والاكتظاظ الرهيب ونقص المعامل والمناهج والطاقة الاستيعابية للطلبة التي فاقت كل التوقعات، وهذا بلا شك ينعكس سلباً على جودة العملية التعليمية برمتها.
ليبيا في أزمة
نحن اليوم أمام أزمة حقيقية في ليبيا سببها الزيادة العشوائية وغير المدروسة لأعداد التلاميذ مع عدم بناء مدارس جديدة، فالتعليم العام فيه حوالي 250 ألف معلم مؤهل تربوياً فقط، بينما الكادر الوظيفي العام في القطاع يصل إلى حوالي 500 ألف موظف، نصفهم تخصصاتهم بعيدة كل البعد عن التعليم التربوي وتم تعيينهم بشكل عشوائي، وهؤلاء أصبحوا عبئاً ثقيلاً على التعليم.
أما سؤالنا / لماذا لا تزال نظرة المعلم للمفتش على أنه جاء لتصيد أخطائه وليس لدعمه؟
قال: للأسف هذه الصورة النمطية القديمة لا تزال عالقة في أذهان البعض، نحن اليوم نعمل بكل قوة على تغيير هذه الصورة النمطية من مفهوم التفتيش بمعناه السلطوي والرقابي إلى مفهوم التوجيه والدعم والمرافقة. وقد أوضحنا هذا التحوَّل في استراتيجيتنا الجديدة بكل تفاصيلها، فهدفنا ليس تصيد الأخطاء، بل توجيه المعلم ومساعدته في كيفية التعامل التربوي مع التلاميذ داخل الفصل، وكيفية تفعيل المشاركة والطريقة الصحيحة لإلقاء الدرس والتقييم العادل وفقًا للبيانات المطلوبة وبكل شفافية.
وماذا عن التركيز على الشكليات مثل كراس التحضير؟
أجابنا بالقول نحن نسعى لتجاوز التركيز على الشكليات والورقيات إلى جوهر العملية التعليمية الحقيقي وهو ما يحدث داخل الفصل بين المعلم والطالب.
رغم وجود التفتيش منذ عقود.. التعليم يتراجع، أين الخلل برأيك؟
قال / الخلل مركب، لكن أهم أسبابه هو أن المنهج التعليمي في ليبيا غير ثابت وغير مستقر، ففي كل عام دراسي جديد نتفاجأ بتغيير المناهج وحذف وإضافة دون دراسة، مع عدم اتباع أساليب التعليم الحديثة المتطورة التي يتبعها العالم، فأصبح المعلمض والمفتش والطالب في حالة ارتباك دائم.
لو منحت صلاحيات كاملة لإصلاح منظومة التفتيش، ما هو أول قرار ستتخذه؟
اوضح في اجابته / سأبدأ من الأساس، وهو المعلم، لابد من إقامة دورات مكثفة وحقيقية لتأهيل المعلمين، لأن نسبة كبيرة منهم غير مؤهلة تربوياً وهي عبء على العملية التعليمية، بالتوازي مع ضرورة تعديل المناهج لتكون ثابتة ومواكبة، وبناء مدارس جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة من التلاميذ، وأخيراً وليس آخراً، لابد من إقامة دورات تدريبية متطورة للمفتشين أنفسهم لمواكبة التطور الحديث في طرق التقييم والتوجيه، ولهذا لجأنا لمسابقة متخصصة لسد العجز بدماء جديدة مؤهلة.



