ثقافة

سليل آلهة الرماد

منصور العجالي

تعود‭ ‬علاقتي‭ ‬بالصديق‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬العجيلي‭ ‬لزمن‭ ‬الطفولة‭ ‬فقد‭ ‬امتزجتْ‭ ‬طفولتنا‭ ‬مذ‭ ‬خطونا‭ ‬عتبات‭ ‬بيوتنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬واتخذنا‭ ‬من‭ ‬الزقاق‭ ‬الخلفي‭ ‬بيتًا‭ ‬موازيًا‭.‬

عبد‭ ‬السلام‭ ‬العجيلي‭ ‬شاعرٌ‭ ‬يكتبه‭ ‬المكان‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬الرمز‭ ‬المتاخم‭ ‬للأسطورة‭ ‬ودلالة‭ ‬النصّ‭. ‬يقارب‭ ‬المعنى‭ ‬بالمعنى‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬غموض‭. ‬تعود‭ ‬عتبات‭ ‬وعيه‭ ‬الجمالي‭ ‬الأولى‭ ‬للنغم‭..‬خرير‭ ‬السواقي‭ ‬مزمار‭ ‬البطاح‭.. ‬شجو‭ ‬الحمام‭ ‬ودفوف‭ ‬الدراويش‭. ‬نشأ‭ ‬وترعرع‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬غنَّاء‭ ‬تسابق‭ ‬الأذنُ‭ ‬فيها‭ ‬العين‭ ‬التقاطا‭ ‬للجمال‭. ‬لعله‭ ‬أبرز‭ ‬من‭ ‬طوّع‭ ‬الغنائية‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬وأعاد‭ ‬صياغتها‭ ‬بنفس‭ ‬حداثي‭. ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬القلال‭ ‬الذين‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يحرّروا‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬قوالبه‭ ‬الموسيقية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬موسيقاه‭. ‬الموسيقى‭ ‬عند‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬الشعر‭ ‬وروحه‭.‬

عرف‭ ‬العجيلي‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬فن‭ ‬وصناعة‭ ‬وأن‭ ‬الشعر‭ ‬أسمى‭ ‬تمثلاتها‭ ‬لذلك‭ ‬راهن‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬نحت‭ ‬نص‭ ‬يمثله‭ ‬يتناغم‭ ‬ومرجعيته‭ ‬اللغوية‭ ‬لفظا‭ ‬ومبنىً‭. ‬لذلك‭ ‬غلبت‭ ‬على‭ ‬نصوصه‭ ‬الجزالة‭ ‬وابتكار‭ ‬العبارة‭ ‬ولطف‭ ‬التناص‭. ‬لم‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬الصورة‭ ‬الشعرية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬صوت‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الشعر‭. ‬لم‭ ‬يخل‭ ‬شعره‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الجميلة‭ ‬لكنه‭ ‬ظل‭ ‬طوال‭ ‬مسيرته‭ ‬الشعرية‭ ‬مشدودًا‭ ‬إلى‭ ‬الوتر‭ ‬يموسق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعترض‭ ‬طريقه‭ ‬حتى‭ ‬المقالة‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬برع‭ ‬في‭ ‬كتابتها‭ ‬تبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬نوتة‭ ‬موسيقية‭. ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬للعجيلي‭ ‬دواوين‭ ‬كثيرة‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يسعفه‭ ‬الوقت‭ ‬ولا‭ ‬العيش‭ ‬ليتفرغ‭ ‬للكتابة‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬ترك‭ ‬لنا‭ ‬قصائد‭ ‬خالدة‭ ‬تنضح‭ ‬شعرًا‭ ‬لا‭ ‬يكتبها‭ ‬سواه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى