
تعود علاقتي بالصديق الشاعر عبد السلام العجيلي لزمن الطفولة فقد امتزجتْ طفولتنا مذ خطونا عتبات بيوتنا الصغيرة واتخذنا من الزقاق الخلفي بيتًا موازيًا.
عبد السلام العجيلي شاعرٌ يكتبه المكان يمزج بين الرمز المتاخم للأسطورة ودلالة النصّ. يقارب المعنى بالمعنى في غير غموض. تعود عتبات وعيه الجمالي الأولى للنغم..خرير السواقي مزمار البطاح.. شجو الحمام ودفوف الدراويش. نشأ وترعرع في بيئة غنَّاء تسابق الأذنُ فيها العين التقاطا للجمال. لعله أبرز من طوّع الغنائية في الشعر وأعاد صياغتها بنفس حداثي. هو أحد القلال الذين استطاعوا أن يحرّروا الشعر من قوالبه الموسيقية دون أن يتخلى عن موسيقاه. الموسيقى عند عبد السلام هي جوهر الشعر وروحه.
عرف العجيلي أن الكتابة فن وصناعة وأن الشعر أسمى تمثلاتها لذلك راهن منذ البداية على نحت نص يمثله يتناغم ومرجعيته اللغوية لفظا ومبنىً. لذلك غلبت على نصوصه الجزالة وابتكار العبارة ولطف التناص. لم يشتغل على رسم الصورة الشعرية بقدر ما حرص على إبراز صوت الجمال في صناعة الشعر. لم يخل شعره من الصور الجميلة لكنه ظل طوال مسيرته الشعرية مشدودًا إلى الوتر يموسق كل ما يعترض طريقه حتى المقالة الأدبية التي برع في كتابتها تبدو كما لو أنها نوتة موسيقية. لم تصدر للعجيلي دواوين كثيرة إذ لم يسعفه الوقت ولا العيش ليتفرغ للكتابة ورغم ذلك ترك لنا قصائد خالدة تنضح شعرًا لا يكتبها سواه.


