رأي

عندما تتحول الازمة إلى فرصة للسمسرة والاستغلال من اجل الربح

عبدالله خويلد

أزمة البنزين التي نعيشها اليوم لا يمكن أن تكون بهذا الحجم وهذه الفوضى من دون أن يكون وراءها خلل كبير وربما افتعال متعمد من أطراف وجدت في الأزمة فرصة للربح والمتاجرة بمعاناة الناس.
انظروا إلى مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود وستجدون أعدادًا كبيرة من السيارات كان لا يمكن ان تكون لهذا الشكل تحت حجة انقطاع الكهرباء .. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح .. هل كل من يقف في هذا الطابور جاء لأنه يحتاج فعلًا إلى البنزين؟
بالتأكيد لا.
هناك من يأتي من آخر الدنيا لا لأن خزان سيارته فارغ او لأنه في حاجة حقيقية للوقود او لانه لم يجد محطة فيها وقود واللى من المفترض مافيش محطة مقفلة . ولكن لأنه جاء وهو يعرف أن جالون البنزين يمكن أن يُباع في السوق السوداء بخمسين أو ستين دينارًا. وبالتالي بالنسبة لهذا الشخص الأزمة ليست أزمة… بل فرصة للربح.
وهنا تبدأ المشكلة.
واغلاق المحطات ليس هو الحل عندما يعلن وزير الداخلية رئيس أزمة الوقود أنه تم إغلاق عدد كبير من محطات البنزين بسبب ضبطها وهي تتعامل مع المهربين فإن السؤال الذي يطرح نفسه .. هل إغلاق المحطة هو العقوبة الصحيحة؟
في رأيي …. لا.
إغلاق المحطة ضرر للناس قبل أن يعاقب المتسببين في الأزمة.
إذا كانت هناك محطة ثبت أنها تبيع الوقود للمهربين فلماذا نكتفي بإغلاقها؟
اضبط صاحب المحطة. احبسه. حقق معه.
من أين حصل على الوقود؟
لمن باعه؟
كم كمية الوقود التي تم تهريبها؟
كم مرة تكرر ذلك؟
من هم الأشخاص الذين يتعامل معهم؟
من الذي سهّل له العملية البيع والتهريب خارج المحطة ؟
ومن الذي سمح بخروج الوقود من مساره الطبيعي؟
هذه ليست قضية محطة واحدة.
هذه سلسلة فساد متكاملة وإذا أردنا علاج الأزمة فعلينا أن نضرب السلسلة كلها من أولها إلى آخرها وتكون فيه
لجنة مشتركة حازمة تضم الشرطة والبحث الجنائي والنيابة العامة والجهات المختصة بقطاع النفط والاقتصاد وعلى رأسها شركة البريقة وتكون مهمتها ليست فقط إغلاق المحطات وإنما الوصول إلى شبكة التهريب كاملة وكشفها أمام الرأي العام ومحاسبة كل من تورط فيها.
العقوبة يجب أن تكون رادعة والقانون يجب أن يأخذ مجراه على الجميع بلا استثناءات ولا مجاملات.
والطابور أيضًا يحتاج إلى قانون …
لكن هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو ما يحدث داخل طوابير محطات الوقود.
لماذا يقف شخص في الطابور وخزان سيارته ممتلئ أو شبه ممتلئ؟
إذا كانت السيارة لا تحتاج إلى الوقود فلماذا تأخذ مكان شخص يحتاجه فعلًا؟
يجب أن تكون هناك آلية واضحة وصارمة : من يقف في الطابور وخزان سيارته يحتوي على كمية كافية من الوقود يُخرج من الطابور فورًا وتُفرض عليه العقوبة وفق القانون.
وتنتهى قصة في كل مرة أعذارًا من نوع :
“عندي بانكة.”
“نبي بنزين للمولد.”
“السيارة واقفة من غير بنزينة
والله مكانى بعيد ..أعذار لم تنتهي واصبحت حجج كل أزمة عبث ولعبة ..وافتعال بسلوكيات مشينة….فى الوقت الذي فيه
مريض يحتاج فعلا الوصول الوصول للمستشفى وأب يريد إيصال أطفاله وعامل يريد الوصول إلى عمله وسيارة إسعاف تحتاج إلى الوقود ومواطن يقف بالساعات لأنه فعلًا يحتاج إلى بضعة لترات حتى يستطيع مواصلة حياته.
أما أن يتحول الوقود المدعوم إلى وسيلة للمضاربة والسمسرة فهذا اعتداء على حق كل مواطن.
لا إصلاح بلا عقوبة
وجربنا كثيرًا من الكلام عن الإصلاح وعن محاربة الفساد وعن تنظيم محطات الوقود وعن منع التهريب.
لكن الحقيقة التي يجب أن نقولها بكل صراحة:
لا يمكن إصلاح شيء إذا ظل المخالف مطمئنًا إلى أنه لن يُعاقب.
الذي يهرب الوقود يجب أن يُحاسب.
والذي يبيع الوقود للمهربين يجب أن يُحاسب.
والذي يسهّل لهم الطريق يجب أن يُحاسب.
والذي يستغل الطوابير ليشتري الوقود ويبيعه في السوق السوداء يجب أن يُحاسب.
والذي يستعمل سلطته أو وظيفته لتسهيل هذه الجرائم يجب أن تكون محاسبته أشد.
لا نريد حملات مؤقتة تنتهي بانتهاء الأزمة الإعلامية.
نريد قانونًا يُطبق ورقابة مستمرة وعقوبات رادعة وكشفًا حقيقيًا لشبكات التهريب.
لأن المواطن الليبي لا يريد صدقة من أحد.
هو يريد فقط أن يحصل على حقه في الوقود بالسعر المدعوم من دون أن يقضي يومه في طابور ومن دون أن يشتري حقه من السماسرة ومن دون أن يصبح الفاسد هو المستفيد الأول من ثروة يفترض أنها ملك لكل الليبيين.
البنزين ليس مجرد وقود. البنزين اليوم أصبح اختبارًا حقيقيًا لهيبة الدولة.
فإذا عجزت الدولة عن حماية لتر من الوقود من التهريب والسرقة والسمسرة فكيف ستقنع المواطن بأنها قادرة على حماية حقوقه وثروته ومستقبله؟
المطلوب ليس المزيد من البيانات.
المطلوب أفعال.
والمطلوب أن يعرف كل من يعبث بقوت الليبيين أن زمن الإفلات من العقاب يجب أن ينتهي.
فالفساد لا يُصلح بالنصيحة والتهريب لا يتوقف بالتمنيات والفوضى لا تنتهي إلا عندما يصبح القانون أقوى من الفاسد والعقوبة أشد من الربح الذي يسعى إليه.
هذه هي المعادلة التي يجب أن نبدأ بها إذا كنا فعلًا نريد إصلاح أزمة الوقود وتصحيح مسار حياتنا لا مجرد إدارة الأزمة من طابور إلى طابور.
الكاتب والصحفي: عبدالله خويلد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى