الرئيسية

المنصب‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭..‬ كفاءة‭ ‬أم‭ ‬محاصصـة‭ ‬؟‭!‬ كرسي‭ ‬المسؤولية‭..‬بلا‭ ‬معاييـر‭  ‬ومجرد‭ ‬صفقـات‭ ‬للتوافق

‭ ‬إنتصار‭ ‬المغيربي

في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يتغير‭ ‬فيها‭ ‬وزير،‭ ‬أو‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬عامة،‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬سيادية‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬الجدل‭ ‬عند‭ ‬اسم‭ ‬القادم،‭ ‬أو‭ ‬الراحل‭ ‬من‭ ‬المنصب‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬سؤالاً‭ ‬أعمق‭ ‬يتعلق‭ ‬بمعايير‭ ‬اختيار‭ ‬مَنْ‭ ‬يتولى‭ ‬إدارة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭: ‬هل‭ ‬يصل‭ ‬المسؤول‭ ‬إلى‭ ‬موقعه‭ ‬لأنه‭ ‬الأكثر‭ ‬كفاءةً،‭ ‬وخبرة‭ ‬وتخصصاً‭  ‬أم‭ ‬لأن‭ ‬وراء‭ ‬اختياره‭ ‬توافقات‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬حسابات‭ ‬جهوية‭ ‬ومكانية؟‭. ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬تغييرات‭ ‬الوزراء‭ ‬ورؤساء‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬متقاربة‭ ‬تبرز‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانتْ‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬تمثل‭ ‬إصلاحًا‭ ‬إداريًا‭ ‬وتصحيحًا‭ ‬لمسار‭ ‬المؤسسات،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تعكس‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والإداري‭ ‬يدفع‭ ‬المواطن‭ ‬والدولة‭ ‬ثمنها‭.‬

هنا‭ ‬نفتح‭ ‬ملف‭ ‬معايير‭ ‬اختيار‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬المناصب‭ ‬الوزارية‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬والسيادية،‭  ‬وسبر‭ ‬الآراء‭ ‬حول‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية‭ ‬والممارسة‭ ‬الفعلية،‭ ‬وتأثير‭ ‬التوافقات‭ ‬السياسية‭ ‬والمحاصصة‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستقرار‭ ‬وانعكاسات‭ ‬التغييرات‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وثقة‭ ‬المواطن‭.‬

مجموعة‭ ‬معايير

يقول‭ ‬المستشار‭ ‬القانوني‭ ‬محمد‭ ‬أنفوني‭ ‬إن‭ ‬اختيار‭ ‬المسؤولين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬تبدأ‭ ‬بالمعايير‭ ‬القانونية‭ ‬مثل‭ ‬الجنسية،‭ ‬والأهلية‭ ‬القانونية،‭ ‬وخلو‭ ‬السجل‭ ‬من‭ ‬الأحكام‭ ‬الجنائية،‭ ‬أو‭ ‬الموانع‭ ‬القانونية‭. ‬ويؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬المعايير‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الإيمان‭ ‬بوحدة‭ ‬الدولة،‭ ‬وسيادتها،‭ ‬وامتلاك‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬للسياسة‭ ‬العامة‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬المنصب‭ ‬لخدمة‭ ‬حزب،‭ ‬أو‭ ‬قبيلة،‭ ‬أو‭ ‬جماعة،‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الكفاءة‭ ‬والخبرة،‭ ‬والنزاهة‭ ‬من‭ ‬المعايير‭ ‬الأساسية‭. ‬فاختيار‭ ‬وزير‭ ‬المالية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬يتطلب‭ ‬خبرة‭ ‬وفهمًا‭ ‬عميقًا‭ ‬للمالية‭ ‬العامة‭ ‬والموازنة،‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬ومعرفة‭ ‬بالقوانين‭ ‬واللوائح‭ ‬المنظمة‭ ‬للقطاع‭.‬

وأكد‭ ‬أنفوني‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشفافية‭ ‬والاستقلالية‭ ‬عنصران‭ ‬أساسيان‭  ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬المسؤول‭ ‬غير‭ ‬خاضع‭ ‬للضغوط‭. ‬واضح‭ ‬الذمة‭ ‬المالية‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مستقلة‭. ‬أما‭ ‬التوازن‭ ‬الجغرافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬فيمكن‭ ‬مراعاته‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الانقسامات‭ ‬الجهوية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬البلاد‭ ‬شريطة‭ ‬ألا‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬محاصصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكفاءة‭. ‬

ويقترح‭ ‬أنفوني‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الترشح‭ ‬أمام‭ ‬الكفاءات‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الترشح‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية،‭ ‬والجامعات،‭ ‬والنقابات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المهنية‭  ‬ثم‭ ‬تتولى‭ ‬لجنة‭ ‬مهنية‭ ‬مستقلة‭ ‬فحص‭ ‬ملفات‭ ‬المرشحين‭ ‬وفق‭ ‬جدول‭ ‬ومعايير‭ ‬محددة،‭ ‬ونسب‭ ‬مئوية‭ ‬تمنح‭ ‬درجات‭ ‬لكل‭ ‬مرشح‭. ‬كما‭ ‬يشدَّد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬إجراء‭ ‬مقابلات‭ ‬علنية‭ ‬وإلزام‭ ‬المرشح‭ ‬بتقديم‭ ‬رؤيته‭ ‬وخطة‭ ‬عمله‭ ‬للوزارة‭ ‬أو‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬سيتولاها‭  ‬وبعد‭ ‬استكمال‭ ‬عملية‭ ‬التقييم،‭ ‬يصدر‭ ‬قرار‭ ‬التعيين‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المختصة‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الاختيار‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستحقاق‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬التوافقات‭ ‬وحدها‭.‬

القانون‭ ‬والواقع

من‭ ‬جانبها‭ ‬قالت‭ ‬م‭. ‬عبير‭ ‬محمد‭: ‬إن‭ ‬ملف‭ ‬تغيير‭ ‬وتعيين‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬ينص‭ ‬عليه‭ ‬القانون‭ ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬ففي‭ ‬حالة‭ ‬المؤسسات‭ ‬السيادية‭  ‬مثل‭: ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬عملية‭ ‬التعيين‭ ‬والتغيير‭ ‬وفق‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬استقلالية‭ ‬المؤسسة‭ ‬بينما‭ ‬تخضع‭ ‬الوزارات‭ ‬والجهات‭ ‬التنفيذية‭ ‬للصلاحيات‭ ‬المحدَّدة‭ ‬للسلطات‭ ‬المختصة‭.‬

وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يشهد‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تأثيرًا‭ ‬للتوافقات‭ ‬السياسية‭.‬

مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬والمعايير‭ ‬المهنية‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المسؤولين‭  ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المحاصصة‭ ‬والتجاذبات‭ ‬السياسية‭.‬

‭ ‬وأوضحت‭ ‬عبير‭ ‬أن‭ ‬الشفافية‭ ‬تمثل‭ ‬الحلقة‭ ‬الأهم‭ ‬الغائبة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاختيار‭  ‬مقترحة‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬المرشحون‭ ‬للمناصب‭ ‬السيادية‭ ‬لجلسات‭ ‬استماع‭ ‬علنية‭ ‬تُعرض‭ ‬خلالها‭ ‬خبراتهم‭ ‬وبرامجهم‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭  ‬حتى‭ ‬يعرف‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬المسؤول‭. ‬

وحذَّرت‭ ‬عبير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التغييرات‭ ‬المتكررة‭ ‬وغير‭ ‬المدروسة‭ ‬في‭ ‬القيادات‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي؛‭  ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تغيير‭ ‬المسؤول‭ ‬دون‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراكم‭ ‬الإداري‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬المؤسسة‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الصفر‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬المال‭ ‬العام،‭ ‬وإرباك‭ ‬الموظفين‭ ‬وإضعاف‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الملفات‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬اقتراح‭ ‬أربع‭ ‬خطوات‭ ‬لضمان‭ ‬اختيار‭ ‬مسؤولين‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستقرار‭ )‬وضع‭ ‬شروط‭ ‬واضحة‭ ‬لشغل‭ ‬الوظيفة‭ ‬ومعايير‭ ‬فنية‭ ‬صارمة‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المرشحين‭ ‬و‭ ‬إلزام‭ ‬المرشح‭ ‬بتقديم‭ ‬برنامج‭ ‬عمل‭ ‬محدد‭ ‬بجدول‭ ‬زمني‭ ‬ومؤشرات‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬و‭ ‬حماية‭ ‬المدد‭ ‬القانونية‭ ‬للمسؤولين‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬السيادية‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الاستقرار‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والإقالة‭ ‬غير‭ ‬المبررة‭ ‬و‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬التغيير‭ ‬السياسي‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭  ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬تغيير‭ ‬الوزير‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬عمل‭ ‬الوكلاء‭ ‬والمديرين‭ ‬والهيكل‭ ‬الإداري‭ ‬للمؤسسة‭. ‬وأكدت‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬إدارة‭ ‬مستقرة‭ ‬وفعالة‭ ‬يتطلب‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التعيين‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التوافقات‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬مؤسسي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والنزاهة‭ ‬والشفافية‭ ‬والاستقرار‭.‬

فرص‭ ‬التجديد

وشدد‭ ‬الناشط‭ ‬المدني‭ ‬د‭. ‬خليفة‭ ‬المبروك‭ ‬على‭  ‬أهمية‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمدَّد‭ ‬القانونية‭ ‬لشغل‭ ‬المناصب؛‭ ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬تغيير‭ ‬المسؤول‭ ‬عند‭ ‬انتهاء‭ ‬المدة‭ ‬المحدَّدة‭ ‬قانوناً‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬التجديد‭ ‬وعدم‭ ‬إعادة‭ ‬الوجوه‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬المناصب‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬لأن‭ ‬استمرار‭ ‬المسؤوليات‭ ‬لفترات‭ ‬متكررة‭ ‬قد‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التجديد‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭  ‬ضرورة‭ ‬خضوع‭ ‬المسؤول‭ ‬الجديد‭ ‬للرقابة‭ ‬والمساءلة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬كلٌّ‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعة‭ ‬المنصب‭ ‬والقطاع‭ ‬الذي‭ ‬يتولاه‭ .‬

ومن‭ ‬جانبه‭ ‬أشار‭ ‬الناشط‭ ‬المدني‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬على‭  ‬أن‭  ‬المحاصصة‭ ‬أثبتت‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬تعيين‭ ‬المسؤولين،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تعيين‭ ‬بدلاء‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬قصيرة‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬اقتصار‭ ‬التعيينات‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬معينين‭ ‬يتنقلون‭ ‬بين‭ ‬المناصب‭ ‬و‭ ‬كأن‭ ‬المناصب‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬طبقة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬معيار‭ ‬المؤهلات‭ ‬و‭ ‬الكفاءات‭ .‬

وتأكيدًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬عبدالله‭ ‬علي‭ ‬قال‭ ‬الفيتوري‭ ‬الشريف‭ ‬إن‭ ‬اختيار‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والخبرة‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬المحاصصة‭ ‬السياسية،‭ ‬والصفقات،‭ ‬والمصالح،‭ ‬والفساد‭ ‬والرشوة‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التوازنات‭ ‬السياسية‭ ‬والمكانية‭  ‬والجهوية‭ ‬تؤثر‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬اختيار‭ ‬المسؤولين‭ ‬بل‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬تصبح‭ ‬العامل‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مَنْ‭ ‬يتولى‭ ‬المناصب‭ ‬القيادية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬السيادية،‭ ‬أو‭ ‬الوزارات‭.‬

عقدة‭ ‬سوء‭ ‬الاختيار

م‭. ‬محمد‭ ‬يوسف‭ ‬درميش‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الليبي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يشهد‭ ‬تأثيراً‭ ‬كبيراً‭ ‬للتوازنات‭ ‬السياسية‭ ‬والمكانية‭  ‬والجهوية‭ ‬والقوة‭ ‬والنفوذ‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬اختيار‭ ‬القيادات‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬تعاني‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬سوء‭ ‬اختيار‭ ‬المسؤولين‭  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬وأوضح‭ ‬أن‭ ‬صلاحية‭ ‬تغيير‭ ‬المسؤول‭ ‬أو‭ ‬إقالته‭ ‬تختلف‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعة‭ ‬المنصب‭ ‬والجهة‭ ‬التي‭ ‬يتولاها‭  ‬وتحددها‭ ‬النصوص‭ ‬الدستورية‭ ‬والقوانين‭ ‬المنظمة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬وأنظمتها‭ ‬الأساسية‭ ‬أو‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬أنشئت‭ ‬بموجبها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المناصب‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬صلاحية‭ ‬تغيير‭ ‬شاغليها‭ ‬ضمن‭ ‬اختصاص‭ ‬الوزير‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬المؤسسة‭. ‬وأوضح‭ ‬‮«‬‭ ‬درميش‮»‬‭  ‬أن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المشكلات‭ ‬ضعف‭ ‬الدور‭ ‬الرقابي‭ ‬للمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬أداء‭ ‬القيادات‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬نتائج‭ ‬التعيينات‭ ‬ومحاسبة‭ ‬المسؤولين‭ ‬وفق‭ ‬مؤشرات‭ ‬موضوعية‭.‬

ويقترح‭ ‬درميش‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬استحداث‭ ‬وحدات‭ ‬أو‭ ‬أقسام‭ ‬أو‭ ‬إدارات‭ ‬للتطوير‭ ‬التنظيمي‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬تتولى‭ ‬مساعدة‭ ‬متخذي‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬سياسات‭ ‬واضحة‭ ‬للاختيار‭ ‬والتعيين،‭ ‬وتحديد‭ ‬معايير‭ ‬دقيقة‭ ‬ومدروسة‭ ‬لتقييم‭ ‬أداء‭ ‬القطاعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬ترشيد‭ ‬القرارات‭ ‬وتعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستقرار‭ ‬المؤسسي‭.‬

واعتبر‭  ‬أحمد‭ ‬عريف‭ ‬مدير‭ ‬إدارة‭ ‬المشروعات‭ ‬ببلدية‭ ‬ساحل‭ ‬الجبل‭ ‬الأخضر‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬أوجه‭ ‬الخلل‭ ‬تكليف‭ ‬مسؤول‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬تفاهمات‭ ‬أو‭ ‬اتفاقات‭ ‬سياسية‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬يتولاها‭. ‬ويؤكد‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬المعايير‭ ‬السياسية‭ ‬والقانونية‭ ‬لاختيار‭ ‬المسؤول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاصلاً‭ ‬على‭ ‬مؤهل‭ ‬جامعي‭ ‬مناسب‭ ‬لطبيعة‭ ‬المنصب‭ ‬وأن‭ ‬يمتلك‭ ‬خبرة‭ ‬سابقة‭ ‬يمكن‭ ‬التحقق‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضرورة‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬خلو‭ ‬سجله‭ ‬المهني‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قضايا‭ ‬أو‭ ‬مخالفات‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬مالية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬عمله‭ ‬السابقة‭. ‬

وحذر‭ ‬عريف‭ ‬من‭ ‬إقالة‭ ‬المسؤولين‭ ‬دون‭ ‬مبررات‭ ‬واضحة‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭  ‬إلى‭ ‬إرباك‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬والقطاعات،‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬استمرارية‭ ‬الخطط‭ ‬والبرامج‭ ‬والأداء‭ ‬المؤسسي‭. ‬ويضيف‭ ‬مستشهدا‭ ‬بتجربة‭  ‬محلية‭  ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التعيينات‭ ‬قد‭ ‬تتم‭ ‬وفق‭ ‬اعتبارات‭ ‬جهوية‭ ‬أو‭ ‬قبلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تولي‭ ‬أشخاص‭ ‬لمناصب‭ ‬قيادية‭ ‬دون‭ ‬امتلاك‭ ‬المؤهلات‭ ‬والخبرات‭ ‬اللازمة‭. ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬تمثل‭ ‬خللاً‭ ‬مؤسسياً‭  ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬الشفافية‭ ‬والمعايير‭ ‬الواضحة‭ ‬والأمانة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬من‭ ‬يتولى‭ ‬المسؤوليات‭ ‬القيادية‭.‬

وخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وضع‭ ‬شروط‭ ‬واضحة‭ ‬ومعلنة‭ ‬لتولي‭ ‬المناصب‭ ‬القيادية‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬المؤهلات‭ ‬والخبرات‭ ‬والسجل‭ ‬المهني‭ ‬للمرشحين‭  ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬لضمان‭ ‬اختيار‭ ‬مسؤولين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مهامهم‭ ‬بكفاءة‭ ‬وتحقيق‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى