
قال البعض: )إنّ الفلقة هي اللي ربتنا، وهي اللي خلتنا تريس(.
الفعل الذي شاهدناه وتناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، والذي قوبل باستهجان واستنكار من غالبية النَّاس، لم يخلُ من أصوات اعتبرته أمرًا عاديًا، بل وبرَّرته بأنه «ضرورة من أجل التربية».
هنا أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتوقف قليلاً، ونسأل أنفسنا: هل القسوة تصنع إنسانًا مستقيمًا، أم تصنع إنسانًا يخاف من العقاب فقط؟.
قد تجعل «الفلقة» الطفل يسكت مؤقتًا، وقد تجعله ينفذ الأمرَ خوفًا من تكرارها، لكنها لا تعلّمه بالضرورة لماذا يجب أن يتصرف بشكل صحيح.
والأخطر من ذلك أن الألم والإهانة اللذان يتعرض لهما الطفلُ لا يختفيان دائمًا بانتهاء العقاب.
أحيانًا يختزنان في داخله، ويكبران معه، ثم يظهران بعد سنوات في صورة عنادٍ، أو غضبٍ، أو قسوةٍ على الآخرين.
الإنسانُ الذي تربى على أن الأقوى يحق له أن يؤذي الأضعف، قد يبحث يومًا ما عن شخص أضعف منه ليمارس عليه ما مورس عليه سابقًا.
وهكذا تنتقل القسوة من جيل إلى آخر.
ليس بالضرورة أن يرد الإنسان أذاه على الشخص نفسه الذي ظلمه.
قد يرده على زوجته، أو أبنائه، أو إخوته، أو زملائه، أو حتى على شخص لا ذنب له في كل ما مر به.
ولهذا، فإن تبرير القسوة القديمة بأنها «هي اللي ربتنا وخلتنا تريس»، لا يعني بالضرورة أنها كانت الطريقة الصحيحة، بل ربما يعني فقط أننا اعتدنا عليها.
نحن بحاجة اليوم إلى تربية تعلم الطفل الاحترام دون إهانة، والانضباط دون إذلال، والخطأ دون انتقام، والرجولة دون عنف.
فالرجولة ليستْ أن يخاف منك من هو أضعف منك، ولا أن تستطيع كسر إرادة طفل، أو شاب.
الرجولة أن تملك القوة، وتملك معها القدرة على ضبطها.
وإذا كنا نريد مجتمعا أقل عنادًا وتعصبًا وعصبية وغلظة، فعلينا أن نراجع بعض ما ورثناه من أساليب التربية، لا أن نقدسها لمجرد أننا تربينا عليها.
فربما آن الأوان أن نقول: اللي تربينا عليه مش كله لازم نربوا بيه أولادنا.



