مرايا

خلف‭ ‬الأبواب‭ ‬المغلقة ‭..‬ ‬حين‭ ‬يتحـوَّل‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬سجن

‭ ‬فائزة‭ ‬صالح

لم‭ ‬تكن‭ ‬الأبوابُ‭ ‬المغلقة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬درنة‭ ‬تخفي‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬خلافًا‭ ‬عائليًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬ولا‭ ‬مشهدًا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬يفضل‭ ‬المجتمع‭ ‬عادةً‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬داخل‭ ‬جدران‭ ‬المنزل‭. ‬خلف‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬الأبواب‭ ‬كانت‭ ‬فتاة‭ ‬تعيش،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أعلنته‭ ‬مديرية‭ ‬أمن‭ ‬درنة،‭ ‬احتجازًا‭ ‬قسريًا‭ ‬استمر‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر،‭ ‬مقيدة‭ ‬بالسلاسل‭ ‬الحديدية‭ ‬داخل‭ ‬شقة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬شيحا‮»‬‭ ‬الغربية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬عمليات‭ ‬تحرٍّ‭ ‬استمرتْ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬وبإذن‭ ‬من‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭.‬

وأفادتْ‭ ‬المديرية‭ ‬بتورط‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬أشقائها‭ ‬بمشاركة‭ ‬والدتها،‭ ‬فيما‭ ‬أُلقي‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬منهم،‭ ‬ونُقلت‭ ‬الفتاة‭ ‬إلى‭ ‬مرفق‭ ‬صحي‭ ‬لتلقي‭ ‬الرعاية‭.‬

كانت‭ ‬الواقعة‭ ‬كافية‭ ‬لإعادة‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بلا‭ ‬إجابة‭ ‬مكتملة‭: ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬للمرأة‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬مصدر‭ ‬الخطر‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬الأمان؟‭!.‬

القصة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬تفاصيل‭ ‬فتاة‭ ‬أُخرجت‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬احتجاز،‭ ‬بل‭ ‬فتحت‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا‭ ‬من‭ ‬الصمت؛‭ ‬مساحة‭ ‬قد‭ ‬تختبئ‭ ‬فيها‭ ‬صورٌ‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العنف،‭ ‬والسيطرة،‭ ‬والإكراه،‭ ‬تبدأ‭ ‬أحيانًا‭ ‬بكلمة‭ ‬جارحة،‭ ‬أو‭ ‬تهديد،‭ ‬وقد‭ ‬تنتهي‭ ‬بالضرب،‭ ‬أو‭ ‬العزل،‭ ‬أو‭ ‬المنع‭ ‬من‭ ‬التواصل،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الاحتجاز‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬انطلقنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬لا‭ ‬لإدانة‭ ‬أسرة،‭ ‬أو‭ ‬تفسير‭ ‬واقعة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬محل‭ ‬إجراءات‭ ‬قانونية،‭ ‬وإنما‭ ‬لطرح‭ ‬السؤال‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬وحقوقيًا‭: ‬هل‭ ‬يكتشف‭ ‬المجتمع‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬جريمة؟،‭ ‬ومَنْ‭ ‬يحمي‭ ‬المرأة‭ ‬عندما‭ ‬تُغلق‭ ‬الأبوابُ؟

العنف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحد

ترى‭ ‬الحقوقية‭ ‬انتصار‭ ‬القليب‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬صعوبةً‭ ‬في‭ ‬الاكتشاف،‭ ‬لأن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬تقع‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬الآخرين،‭ ‬وقد‭ ‬تتردّد‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الإبلاغ‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬التهديد،‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭ ‬الأسري،‭ ‬أو‭ ‬ازدياد‭ ‬صعوبة‭ ‬حياتها‭.‬

وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬تقع‭ ‬إصابة‭ ‬خطيرة‭ ‬ليس‭ ‬حلًا،‭ ‬فوجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬مثل‭ ‬التهديد،‭ ‬أو‭ ‬الضرب،‭ ‬أو‭ ‬الاحتجاز‭ ‬أو‭ ‬منع‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬يستوجب‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بجدية‭ ‬وإيصالها‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬مع‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإبلاغ‭ ‬آمنًا‭ ‬وألا‭ ‬تُدفع‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬شخص‭ ‬عنيف‭ ‬بمفردها‭.‬

وتشدد‭ ‬القليب‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الخلاف‭ ‬الأسري‭ ‬وبين‭ ‬الاعتداء‭ ‬أو‭ ‬التهديد،‭ ‬أو‭ ‬الاحتجاز،‭ ‬والإكراه،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬الوقائع‭ ‬والقانون،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الشائعات،‭ ‬أو‭ ‬التشهير‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬الصمت‭ ‬غطاءً‭ ‬للخطر

ترى‭ ‬الحقوقية‭ ‬زاهية‭ ‬المنفي‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬حوادث‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬تستحق‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأنماط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬حماية‭ ‬المرأة‭ ‬مرتبطة‭ ‬أحيانًا‭ ‬بسلطة‭ ‬الأسرة‭.‬

وتلفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬المتكرر‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭: ‬‮«‬ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬حتى‭ ‬حدث‭ ‬لها‭ ‬ذلك؟‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يكشف‭ ‬مشكلة‭ ‬أعمق،‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬مساءلة‭ ‬المعتدي‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬تبرر‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬الضحية‭.‬

أما‭ ‬حنان‭ ‬شلوف،‭ ‬ناشطة‭ ‬مدنية‭ ‬من‭ ‬مصراتة،‭ ‬فتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬القانونية‭ ‬تبدأ‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الفعل‭ ‬المجرّم،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬محاولة‭ ‬منع‭ ‬تفاقم‭ ‬المشكلات‭ ‬عبر‭ ‬الحوار‭ ‬والإرشاد‭ ‬والتدخل‭ ‬الأسري،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬متاحة‭ ‬عندما‭ ‬يقع‭ ‬الضرر‭.‬

الأسرة‭..‬من‭ ‬مساحة‭ ‬أمان‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬خوف

من‭ ‬منظور‭ ‬اجتماعي،‭ ‬ترى‭ ‬د‭.‬حميدة‭ ‬البوسيفي،‭ ‬عضو‭ ‬هيئة‭ ‬تدريس‭ ‬بجامعة‭ ‬طرابلس،‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬عادةً‭ ‬عن‭ ‬عامل‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬تداخل‭ ‬عوامل‭ ‬ثقافية،‭ ‬وأسرية،‭ ‬واقتصادية‭ ‬ونفسية،‭ ‬وسلوكية‭.‬

وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬البيئات‭ ‬قد‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬باعتبارها‭ ‬حقًا‭ ‬للزوج،‭ ‬أو‭ ‬الأسرة،‭ ‬فتتحوَّل‭ ‬مفاهيم‭ ‬الرعاية،‭ ‬والحماية‭ ‬إلى‭ ‬تحكم‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل‭ ‬والملابس‭ ‬والعلاقات‭ ‬والتواصل‭. ‬وتحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬تبدأ‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬عبر‭ ‬تنشئة‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬والحوار‭ ‬والمسؤولية‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬أسرة‭ ‬مستقرة‭ ‬من‭ ‬التربية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬وفرض‭ ‬السلطة‭.‬

‮«‬كلام‭ ‬النَّاس‮»‬‭..‬شريك‭ ‬غير‭ ‬معلن

لا‭ ‬يقف‭ ‬الخوف‭ ‬دائمًا‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المعتدي؛‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الصمت‭. ‬فالخوف‭ ‬من‭ ‬الطلاق‭ ‬أو‭ ‬الفضيحة‭ ‬أو‭ ‬فقدان‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ونظرة‭ ‬الآخرين‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬إخفاء‭ ‬ما‭ ‬يتعرضن‭ ‬له،‭ ‬فيما‭ ‬تتحول‭ ‬الضحية‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬موضع‭ ‬للمساءلة‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تتحدث؟‭ ‬ماذا‭ ‬فعلت؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬تتحمل؟‭.‬

وتؤكد‭ ‬نعيمة‭ ‬سلامة،‭ ‬مدير‭ ‬مكتب‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بالزاوية،‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬الظاهرة‭ ‬تتطلب‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬إلى‭ ‬الوقاية‭ ‬المبكرة،‭ ‬عبر‭ ‬يقظة‭ ‬المجتمع‭ ‬وتفعيل‭ ‬دور‭ ‬الأخصائيين‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬والنفسيين،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬مؤشرات‭ ‬الخطر‭ ‬قبل‭ ‬تفاقمها‭.‬

العنف‭..‬ظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬دائمًا

وترى‭ ‬عائشة‭ ‬بن‭ ‬يحمد،‭ ‬رئيسة‭ ‬قسم‭ ‬الخدمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بمراقبة‭ ‬تعليم‭ ‬سبها،‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬أو‭ ‬القرى،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المرأة،‭ ‬إذ‭ ‬يتعرض‭ ‬الرجال‭ ‬للعنف‭ ‬أيضًا،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬النسب‭ ‬والصور‭ ‬مختلفة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوصم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المرتبط‭ ‬بصورة‭ ‬الرجل‭ ‬وهيبته‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬يجعل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬مسكوتًا‭ ‬عنها‭.‬

وتعرّف‭ ‬بن‭ ‬يحمد‭ ‬العنف‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬أي‭ ‬سلوك‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬بالطرف‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬إساءة‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‮»‬،‭ ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬انتشاره‭ ‬يرتبط‭ ‬بعوامل‭ ‬ثقافية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الفهم‭ ‬الخاطئ‭ ‬لمفهوم‭ ‬القوامة،‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬ورعاية‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬وعنف،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنفسية‭ ‬والغيرة‭ ‬والشك‭ ‬وتعاطي‭ ‬المخدرات‭ ‬والكحول‭ ‬وتجارب‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬الطفولة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬لا‭ ‬تبرر‭ ‬الاعتداء‭.‬

كيف‭ ‬نكتشف‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تقوله‭ ‬المرأة؟

تلفت‭ ‬بن‭ ‬يحمد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬المعنفة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الحديث‭ ‬عما‭ ‬تتعرض‭ ‬له،‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬المعتدي‭ ‬أو‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولذلك‭ ‬يتطلب‭ ‬اكتشاف‭ ‬العنف‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬مثل‭ ‬الكدمات‭ ‬المتكررة،‭ ‬والخوف‭ ‬المبالغ‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الزوج،‭ ‬والانسحاب‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والقلق‭ ‬واضطرابات‭ ‬النوم‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭.‬

كما‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬المؤشرات‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬أهلها‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬هاتفها،‭ ‬أو‭ ‬ظهور‭ ‬الخوف‭ ‬والعدوانية‭ ‬على‭ ‬الأطفال،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلامات‭ ‬تستوجب‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بجدية،‭ ‬لا‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مشكلات‭ ‬عائلية‮»‬‭.‬

التدخل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬الجريمة

وتشدد‭ ‬بن‭ ‬يحمد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬التدخل‭ ‬المبكر‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والجيران‭ ‬والمختصين،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المرأة‭ ‬دون‭ ‬لومها،‭ ‬ثم‭ ‬مساعدتها‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬سلامتها‭ ‬وعدم‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬المعتدي‭ ‬بصورة‭ ‬قد‭ ‬تعرضها‭ ‬لخطر‭ ‬أكبر‭.‬

من‭ ‬يملك‭ ‬مفتاح‭ ‬الإنقاذ؟

القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المرأة‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الكارثة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬تمنع‭ ‬وصولها‭ ‬إليها‭. ‬فالجيران‭ ‬والأقارب،‭ ‬والمدرسة‭ ‬والمراكز‭ ‬الصحية،‭ ‬والأخصائيون‭ ‬الاجتماعيون،‭ ‬والجهات‭ ‬الأمنية‭ ‬والقضائية،‭ ‬جميعهم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬حلقات‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬حماية‭ ‬واحدة،‭ ‬شرط‭ ‬توافر‭ ‬قنوات‭ ‬آمنة‭ ‬للتبليغ‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الشكاوى‭ ‬بجدية‭ ‬وسرية‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فإن‭ ‬معالجة‭ ‬العنف‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تحويل‭ ‬كل‭ ‬خلاف‭ ‬عائلي‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬أمنية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬الاعتداءات‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬الخصوصية‭. ‬الفارق‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬الخلاف‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬أو‭ ‬اعتداء‭ ‬أو‭ ‬إكراه‭ ‬أو‭ ‬احتجاز‭.‬

البيت‭ ‬الآمن‭ ‬يبدأ‭ ‬بالاحترام

قصة‭ ‬فتاة‭ ‬درنة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أعلنته‭ ‬الجهات‭ ‬الأمنية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬واقعة‭ ‬يتناقلها‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل؛‭ ‬فقد‭ ‬أعادت‭ ‬فتح‭ ‬ملف‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأسرة‭ ‬والحماية‭ ‬والقانون،‭ ‬وطرحت‭ ‬سؤالًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحادثة‭: ‬كم‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬قد‭ ‬تعيش‭ ‬خوفًا‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحد؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬معرفة‭ ‬حجم‭ ‬الحالات‭ ‬غير‭ ‬المبلّغ‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بيانات‭ ‬رسمية‭ ‬شاملة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تحويل‭ ‬واقعة‭ ‬واحدة‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬كله‭. ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬أمام‭ ‬مؤشرات‭ ‬الخطر‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬أسرة‭ ‬مستقرة‭.‬

فالأسرة‭ ‬لا‭ ‬تُحمى‭ ‬بإغلاق‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬المشكلات،‭ ‬ولا‭ ‬بإجبار‭ ‬الضحية‭ ‬على‭ ‬الصمت،‭ ‬وإنما‭ ‬بإرساء‭ ‬الاحترام‭ ‬والحوار‭ ‬والأمان،‭ ‬وبأن‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬ليست‭ ‬امتيازًا‭ ‬يمنحه‭ ‬أحد‭ ‬لأحد‭.‬

فحين‭ ‬يصبح‭ ‬البيت‭ ‬سجنًا،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬المفتاح‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.. ‬بل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬لإنقاذ‭ ‬من‭ ‬بداخله؟

لا‭ ‬يبدأ‭ ‬العنف‭ ‬دائمًا‭ ‬بباب‭ ‬يُغلق‭ ‬أو‭ ‬بسلسلة‭ ‬تُقيّد‭ ‬جسدًا؛‭ ‬فقد‭ ‬يبدأ‭ ‬بكلمة‭ ‬تُهين،‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬يُخيف،‭ ‬أو‭ ‬سيطرة‭ ‬تُقدَّم‭ ‬باسم‭ ‬الحماية،‭ ‬ثم‭ ‬يتسع‭ ‬الصمت‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬الخطر‭ ‬واقعًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭.‬

وقصة‭ ‬فتاة‭ ‬درنة،‭ ‬بما‭ ‬أعلنته‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬تضع‭ ‬المجتمع‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬تتجاوز‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬إشارات‭ ‬الخطر‭ ‬والتدخل‭ ‬الآمن‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

فالبيت‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬آمنًا‭ ‬بجدرانه‭ ‬وأبوابه،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬يسوده‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬وكرامة‭ ‬وأمان‭.. ‬وحين‭ ‬تتحول‭ ‬الحماية‭ ‬إلى‭ ‬قيد،‭ ‬يصبح‭ ‬الصمت‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬الجريمة‭.‬

‮         ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى