
إن مأساتنا كمعلمين لا تكمن في أننا مظلومون، بل في أننا نُصر على اختيار الطريقة الخطأ للمطالبة برفع الظلم. دعونا نواجه الحقيقة المُرة بشجاعة المعلم لا بعاطفة المحروم. إننا نعتصم أمام من؟ نعتصم أمام طبقة حاكمة متحكمة في القرار، هي وحدها تملك حق القرار، وهي وحدها التي تقرر مصيرنا. هذه الطبقة بكل بساطة، لا تتأثر بإيقاف الدراسة ولا بتعطيل المدارس. لماذا؟ لأن أبناءها لا يجلسون على مقاعدنا المكسورة، ولا يزدحمون في فصولنا التي تفوح منها الرطوبة، ولا يدرسون في مدارسنا العامة المتهالكة. أبناؤهم يدرسون خارج ليبيا، يتلقون تعليماً يليق بالإنسان، وأمورهم تسير على أحسن ما يرام. فنحن في الحقيقة، نعتصم لأجلهم، ونقطع أرزاقنا لأجلهم، وهم من يتحكم في مصيرنا، ثم نذهب لننتظر منهم الحلول، ونبكي على أعتاب مقراتهم المكيفة. لقد جربنا هذه الطريقة من قبل، فماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. يخرج إلينا المسؤول بعد أن يتفقد الأحوال الجوية، فإن كانت مناسبة لظهوره الكريم، أطل علينا من شرفته بابتسامة صفراء ووعود كاذبة، ثم يعود إلى مكتبه. مصلحة المعلم والتلميذ هي آخر اهتماماته، بل ليست في قائمة اهتماماته أصلاً.
والأدهى والأمر من ذلك، هو ما نفعله نحن بأنفسنا. ما معنى أن يقف معلم، مربي الأجيال، أمام مكتب مسؤول يغني وينشد الأناشيد ويلقي القصائد؟ أي صورة نرسمها عن أنفسنا؟ هل نحن مطالبون بحق، أم فرقة فلكلورية جاءت لتسلي المسؤول في وقت فراغه؟ إني أراهم يتلذذون بذلك المشهد، مشهد المعلم وهو يتغنى بذله أمامهم، ويحول قضيته العادلة إلى وصلة طرب. إن المعلم الذي يلقي الشعر أمام الحاكم ليستعطفه، قد فقد هيبته وهيبة رسالته. القضية يا زملائي ليست قضية صوت عالٍ، بل قضية كرامة. إن التغني أمام المكاتب لا يليق بنا. المعلم أرقى من أن يكون مهرجاً في بلاط المسؤول. علينا أن نفكر بطريقة أكثر رقياً، طريقة تليق بالمعلم والمتعلم. إن الحل ليس في إغلاق المدارس التي هي بيوتنا، وعقاب التلميذ الذي هو ابننا، بل في أساليب ضغط حضارية موجعة لمن يملك القرار، لا موجعة لنا ولأبنائنا. كفانا تكراراً لنفس الخطأ، وتوقع نتيجة مختلفة….. وإذ كان لا بد من الغناء اقترح اغنية خليهن ياحسن..

