الشارع

حين يصبح الصمت مشكلة

بقلم :رجب عصر

في‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬نراها‭ ‬ونسمع‭ ‬عنها،‭ ‬ثم‭ ‬نمرّ‭ ‬بجانبها‭ ‬وكأنها‭ ‬لا‭ ‬تعنينا‭. ‬نلاحظ‭ ‬الخطأ،‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬خللاً،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬أنفسنا،‭ ‬لكننا‭ ‬نختار‭ ‬الصمت‭. ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬الخطأ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يعترض‭ ‬عليه،‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭. ‬ليس‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬معركة،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يحوّل‭ ‬حياته‭ ‬إلى‭ ‬انتقاد‭ ‬دائم‭ ‬للآخرين،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬فرقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بين‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الموقف‭ ‬وبين‭ ‬الصمت‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الغش‭ ‬عاديًا،‭ ‬والواسطة‭ ‬أمرًا‭ ‬مقبولًا،‭ ‬والإهمال‭ ‬شيئًا‭ ‬نتعايش‭ ‬معه،‭ ‬والكذب‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬المصالح،‭ ‬فإن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬تبدأ‭ ‬صغيرة‭ ‬ثم‭ ‬تكبر‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬إصلاحها‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نعتاد‭ ‬عليه‭. ‬فالإنسان‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتأقلم‭ ‬مع‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرفضها‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬مخالفة‭ ‬اليوم‭ ‬فيستنكرها،‭ ‬ثم‭ ‬يراها‭ ‬غدًا‭ ‬فيتجاهلها،‭ ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬ربما‭ ‬يتعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭. ‬لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭: ‬موظف‭ ‬يؤدي‭ ‬عمله‭ ‬بأمانة،‭ ‬معلم‭ ‬يحترم‭ ‬رسالته،‭ ‬طبيب‭ ‬يضع‭ ‬مصلحة‭ ‬المريض‭ ‬أولًا،‭ ‬طالب‭ ‬يرفض‭ ‬الغش،‭ ‬مواطن‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬ومسؤول‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬المنصب‭ ‬مسؤولية‭ ‬وليس‭ ‬امتيازًا‭.‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬لا‭ ‬يخطئ؛‭ ‬فهذا‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭. ‬نحن‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬يعترف‭ ‬بالخطأ‭ ‬عندما‭ ‬يحدث،‭ ‬ويرفض‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬عادة،‭ ‬ويملك‭ ‬الشجاعة‭ ‬لتصحيحه‭. ‬فالصمت‭ ‬أحيانًا‭ ‬حكمة،‭ ‬نعم‭. ‬لكن‭ ‬الصمت‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬غطاءً‭ ‬للخطأ،‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬شخصي‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬اجتماعية‭. ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نسأله‭ ‬لأنفسنا‭: ‬عندما‭ ‬نرى‭ ‬الخطأ،‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحل‮…‬‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬فقط‭ ‬ننتظر‭ ‬أن‭ ‬يصلح‭ ‬الآخرون‭ ‬ما‭ ‬أعتدنا‭ ‬نحن‭ ‬على‭ ‬السكوت‭ ‬عنه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى