في حياتنا اليومية، هناك أشياء كثيرة نراها ونسمع عنها، ثم نمرّ بجانبها وكأنها لا تعنينا. نلاحظ الخطأ، نعرف أن هناك خللاً، وأحيانًا نتحدث عنه بيننا وبين أنفسنا، لكننا نختار الصمت. المشكلة أن الخطأ الذي لا يجد من يعترض عليه، قد يتحول مع الوقت إلى أمر طبيعي. ليس المطلوب من الإنسان أن يدخل في كل معركة، ولا أن يحوّل حياته إلى انتقاد دائم للآخرين، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين الحكمة في اختيار الموقف وبين الصمت عن كل شيء.
عندما يصبح الغش عاديًا، والواسطة أمرًا مقبولًا، والإهمال شيئًا نتعايش معه، والكذب وسيلة لتحقيق المصالح، فإن المشكلة لا تكون في شخص واحد فقط، بل في ثقافة تبدأ صغيرة ثم تكبر حتى يصبح إصلاحها أكثر صعوبة. والأخطر من الخطأ نفسه هو أن نعتاد عليه. فالإنسان يستطيع أن يتأقلم مع أشياء كثيرة، حتى مع الأشياء التي كان يرفضها في البداية. قد يرى مخالفة اليوم فيستنكرها، ثم يراها غدًا فيتجاهلها، وبعد سنوات ربما يتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة. لهذا، فإن بناء المجتمع لا يبدأ دائمًا من المؤسسات الكبيرة، بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة: موظف يؤدي عمله بأمانة، معلم يحترم رسالته، طبيب يضع مصلحة المريض أولًا، طالب يرفض الغش، مواطن يحافظ على الممتلكات العامة، ومسؤول يدرك أن المنصب مسؤولية وليس امتيازًا.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع لا يخطئ؛ فهذا غير واقعي. نحن نحتاج إلى مجتمع يعترف بالخطأ عندما يحدث، ويرفض تحويله إلى عادة، ويملك الشجاعة لتصحيحه. فالصمت أحيانًا حكمة، نعم. لكن الصمت عندما يصبح غطاءً للخطأ، يتحول من موقف شخصي إلى مشكلة اجتماعية. والسؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا: عندما نرى الخطأ، هل نحن جزء من الحل… أم أننا فقط ننتظر أن يصلح الآخرون ما أعتدنا نحن على السكوت عنه؟


