
تشهد الساحة التعليمية في ليبيا أزمة متفاقمة مع انطلاق العام الدراسي الجديد، حيث خيم الشلل التام على معظم المدارس الحكومية في مختلف مدن البلاد. وكانت الشرارة قد بدأت باعتصامات جزئية وتوقف عن العمل سجلته المدارس منذ منتصف سبتمبر الجاري، قبل أن تعلن نقابات المعلمين في طرابلس والمنطقة الغربية التصعيد والدخول في إضراب عام وشامل. ولم تلبث نقابات المنطقة الشرقية أن انضمت للحراك عبر بيان مصور أكدت فيه الاستمرار في الاعتصام، مع التلويح باللجوء إلى العصيان المدني في حال استمرار تجاهل السلطات لمطالبهم.
تتلخص مطالب الكوادر التعليمية في حزمة من المستحقات المالية والخدمية، يتصدرها اعتماد الجدول الموحد للمرتبات، وتنفيذ أحكام القانون رقم «4» لسنة 2018 وصرف كافة الفروقات المالية المترتبة عليه. كما يطالب المعلمون بتوفير التغطية الصحية من خلال تأمين صحي شامل لهم ولأسرهم، فضلاً عن صرف علاوات الحصة ورؤساء المؤسسات التعليمية والإداريين.
يعكس هذا الحراك تحولا لافتا في تاريخ العمل الاحتجاجي داخل قطاع التعليم الليبي. فخلال عقود عقيد النظام السابق، كان الإضراب مجرماً بشكل مطلق ويواجه بعقوبات صارمة تصل إلى الاعتقال والسجن والفصل النهائي من العمل. غير أن المرحلة التي أعقبت عام 2011 شهدت اتساعا في مساحة التعبير، مما جعل قطاع التعليم ساحة لإضرابات متكررة بلغت سبعة إضرابات بمعدل إضراب كل عامين، حققت بعض المكاسب إذ بدأت الاعتصامات مبكرا منذ سبتمبر 2023 ثم أكتوبر 2015 وأسفرت اعتصامات عام 2017 و2018 عن انتزاع موافقة تشريعية وإصدار القانون رقم «4» القاضي بزيادة المرتبات، فيما أدت ضغوط إضراب عام 2019 إلى استقالة وزير التعليم المكلف آنذاك، وتجددت الاحتجاجات في عام 2021 لتجبر الحكومة على إصدار قرارات بتنفيذ الحقوق المالية، وصولا إلى الإضراب الحالي الذي لم يتم فكه حتى اللحظة.
وعلى الجانب القانوني، تضع هذه الأزمة البيئة التشريعية في ليبيا أمام تناقض صريح بين أحكام القوانين الوطنية والمواثيق الدولية؛ إذ لا يزال القانون رقم 45 لسنة 1972م سارياً ومجرماً للإضراب، حيث تحظر مادته الثانية ترك العمل بقصد عرقلة المرافق العامة والتعليمية، فيما تقضي المادة الثالثة بمنع الإضراب كلياً والإلزام بحل النزاعات بالوسائل الودية، مع فرض عقوبات بالحبس والغرامة بحق المخالفين. كما يعزز قانون العقوبات هذا الحظر في المادتين «237» و«238» اللتين تجرمان امتناع الموظف العمومي أو ترك الخدمة جماعياً، مع تغليظ العقوبة ومضاعفتها إذا أدى ذلك إلى عرقلة سير العمل أو تعريض أمن المجتمع وصحته للخطر كما أن الإعلان الدستوري لم ينص على حق الإضراب عن العمل في بنوده.
في المقابل، تستند النقابة العامة للمعلمين إلى مرتكزات قانونية دولية ترى أنها تعلو على التشريعات المحلية. وتؤكد النقابة أن مصادقة ليبيا على اتفاقية العمل الدولية رقم «87» الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم منذ عام 2000 تمنح العاملين حق ممارسة الوسائل المشروعة للدفاع عن مصالحهم المهنية والاقتصادية. وترى النقابة أن حق الإضراب يعد فرعاً أصيلاً من هذه الحرية، وهو ما عززه الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بكون الإضراب حقاً مشروعاً ومحمياً بموجب الاتفاقيات الدولية.
يبدو أن الشلل الحاصل في المدارس الليبية سينتظر ما ستسفر عنه المفاوضات بين النقابات والسلطات التنفيذية والتشريعية، في ظل سجال قانوني معقد بين تشريعات محلية تجرم التوقف عن العمل، واتفاقيات دولية تمتح العمال حق الاحتجاج والمطالبة بالحقوق.

