الشارع

إضراب كل عامين.. كيف يتحرك معلمو ليبيا في مساحة التناقض القانوني

بقلم :رضا فحيل البوم

تشهد‭ ‬الساحة‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬أزمة‭ ‬متفاقمة‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الجديد،‭ ‬حيث‭ ‬خيم‭ ‬الشلل‭ ‬التام‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬المدارس‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مدن‭ ‬البلاد‭. ‬وكانت‭ ‬الشرارة‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬باعتصامات‭ ‬جزئية‭ ‬وتوقف‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬سجلته‭ ‬المدارس‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬سبتمبر‭ ‬الجاري،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعلن‭ ‬نقابات‭ ‬المعلمين‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬والمنطقة‭ ‬الغربية‭ ‬التصعيد‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬إضراب‭ ‬عام‭ ‬وشامل‭. ‬ولم‭ ‬تلبث‭ ‬نقابات‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ ‬أن‭ ‬انضمت‭ ‬للحراك‭ ‬عبر‭ ‬بيان‭ ‬مصور‭ ‬أكدت‭ ‬فيه‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الاعتصام،‭ ‬مع‭ ‬التلويح‭ ‬باللجوء‭ ‬إلى‭ ‬العصيان‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬تجاهل‭ ‬السلطات‭ ‬لمطالبهم‭.‬

تتلخص‭ ‬مطالب‭ ‬الكوادر‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬المستحقات‭ ‬المالية‭ ‬والخدمية،‭ ‬يتصدرها‭ ‬اعتماد‭ ‬الجدول‭ ‬الموحد‭ ‬للمرتبات،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬أحكام‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬‮«‬4‮»‬‭ ‬لسنة‭ ‬2018‭ ‬وصرف‭ ‬كافة‭ ‬الفروقات‭ ‬المالية‭ ‬المترتبة‭ ‬عليه‭. ‬كما‭ ‬يطالب‭ ‬المعلمون‭ ‬بتوفير‭ ‬التغطية‭ ‬الصحية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأمين‭ ‬صحي‭ ‬شامل‭ ‬لهم‭ ‬ولأسرهم،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬صرف‭ ‬علاوات‭ ‬الحصة‭ ‬ورؤساء‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والإداريين‭.‬

يعكس‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬تحولا‭ ‬لافتا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العمل‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭ ‬الليبي‭. ‬فخلال‭ ‬عقود‭ ‬عقيد‭ ‬النظام‭ ‬السابق،‭ ‬كان‭ ‬الإضراب‭ ‬مجرماً‭ ‬بشكل‭ ‬مطلق‭ ‬ويواجه‭ ‬بعقوبات‭ ‬صارمة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقال‭ ‬والسجن‭ ‬والفصل‭ ‬النهائي‭ ‬من‭ ‬العمل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬شهدت‭ ‬اتساعا‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬التعبير،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭ ‬ساحة‭ ‬لإضرابات‭ ‬متكررة‭  ‬بلغت‭ ‬سبعة‭ ‬إضرابات‭ ‬بمعدل‭ ‬إضراب‭ ‬كل‭ ‬عامين،‭ ‬حققت‭ ‬بعض‭ ‬المكاسب‭   ‬إذ‭ ‬بدأت‭ ‬الاعتصامات‭ ‬مبكرا‭ ‬منذ‭ ‬سبتمبر‭ ‬2023‭ ‬ثم‭ ‬أكتوبر‭ ‬2015‭ ‬وأسفرت‭ ‬اعتصامات‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬و2018‭ ‬عن‭ ‬انتزاع‭ ‬موافقة‭ ‬تشريعية‭ ‬وإصدار‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬‮«‬4‮»‬‭ ‬القاضي‭ ‬بزيادة‭ ‬المرتبات،‭ ‬فيما‭ ‬أدت‭ ‬ضغوط‭ ‬إضراب‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬إلى‭ ‬استقالة‭ ‬وزير‭ ‬التعليم‭ ‬المكلف‭ ‬آنذاك،‭ ‬وتجددت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬لتجبر‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬قرارات‭ ‬بتنفيذ‭ ‬الحقوق‭ ‬المالية،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الإضراب‭ ‬الحالي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬فكه‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬القانوني،‭ ‬تضع‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬البيئة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬أمام‭ ‬تناقض‭ ‬صريح‭ ‬بين‭ ‬أحكام‭ ‬القوانين‭ ‬الوطنية‭ ‬والمواثيق‭ ‬الدولية؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬45‭ ‬لسنة‭ ‬1972م‭ ‬سارياً‭ ‬ومجرماً‭ ‬للإضراب،‭ ‬حيث‭ ‬تحظر‭ ‬مادته‭ ‬الثانية‭ ‬ترك‭ ‬العمل‭ ‬بقصد‭ ‬عرقلة‭ ‬المرافق‭ ‬العامة‭ ‬والتعليمية،‭ ‬فيما‭ ‬تقضي‭ ‬المادة‭ ‬الثالثة‭ ‬بمنع‭ ‬الإضراب‭ ‬كلياً‭ ‬والإلزام‭ ‬بحل‭ ‬النزاعات‭ ‬بالوسائل‭ ‬الودية،‭ ‬مع‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬بالحبس‭ ‬والغرامة‭ ‬بحق‭ ‬المخالفين‭. ‬كما‭ ‬يعزز‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬هذا‭ ‬الحظر‭ ‬في‭ ‬المادتين‭ ‬‮«‬237‮»‬‭ ‬و‮«‬238‮»‬‭ ‬اللتين‭ ‬تجرمان‭ ‬امتناع‭ ‬الموظف‭ ‬العمومي‭ ‬أو‭ ‬ترك‭ ‬الخدمة‭ ‬جماعياً،‭ ‬مع‭ ‬تغليظ‭ ‬العقوبة‭ ‬ومضاعفتها‭ ‬إذا‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عرقلة‭ ‬سير‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬تعريض‭ ‬أمن‭ ‬المجتمع‭ ‬وصحته‭ ‬للخطر‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الإعلان‭ ‬الدستوري‭ ‬لم‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬الإضراب‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بنوده‭. ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تستند‭ ‬النقابة‭ ‬العامة‭ ‬للمعلمين‭ ‬إلى‭ ‬مرتكزات‭ ‬قانونية‭ ‬دولية‭ ‬ترى‭ ‬أنها‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬التشريعات‭ ‬المحلية‭. ‬وتؤكد‭ ‬النقابة‭ ‬أن‭ ‬مصادقة‭ ‬ليبيا‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬رقم‭ ‬‮«‬87‮»‬‭ ‬الخاصة‭ ‬بالحرية‭ ‬النقابية‭ ‬وحماية‭ ‬حق‭ ‬التنظيم‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬تمنح‭ ‬العاملين‭ ‬حق‭ ‬ممارسة‭ ‬الوسائل‭ ‬المشروعة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحهم‭ ‬المهنية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬وترى‭ ‬النقابة‭ ‬أن‭ ‬حق‭ ‬الإضراب‭ ‬يعد‭ ‬فرعاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عززه‭ ‬الرأي‭ ‬الاستشاري‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬بكون‭ ‬الإضراب‭ ‬حقاً‭ ‬مشروعاً‭ ‬ومحمياً‭ ‬بموجب‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬الشلل‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الليبية‭ ‬سينتظر‭ ‬ما‭ ‬ستسفر‭ ‬عنه‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬النقابات‭ ‬والسلطات‭ ‬التنفيذية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سجال‭ ‬قانوني‭ ‬معقد‭ ‬بين‭ ‬تشريعات‭ ‬محلية‭ ‬تجرم‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬واتفاقيات‭ ‬دولية‭ ‬تمتح‭ ‬العمال‭ ‬حق‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والمطالبة‭ ‬بالحقوق‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى