

في إنجازٍ علمي يصفه البعض على أنه استثنائي و يجمع بين دقة البحث الأكاديمي وشغف الاكتشاف نالت الباحثة الليبية الأستاذة مفيدة كريديغ مؤخراً درجة الدكتوراه بقسم التاريخ في الأكاديمية الليبية للدراسات العليا عن أطروحة علمية استهدفت و عُنونت بــ ” تحليل مضامين اللوحات الفسيفسائية في مدينة صبراتة الأثرية خلال العصرين الروماني والبيزنطي”…
وتأتي هذه الدراسة لتكسر الأُطر التقليدية في كتابة التاريخ متجاوزةً المنهج الكلاسيكي المعتمد على السطور المكتوبة والروايات الشفهية إلى منهج أكثر تعقيداً ، يقوم على استنطاق الحجارة الدقيقة وتحويل الأرضيات واللوحات الجدارية إلى وثائق تاريخية حية.
إذ تنطلق الدراسة من فرضية جوهرية مفادها أن الفسيفساء في المواقع الأثرية لم تكن مجرد عناصر زخرفية أو تحف تزيينية صامتة، بل شكّلت في الواقع ، خطاباً توثيقياً بصرياً يعكس التحولات التاريخية والإصلاحية والدينية والاجتماعية التي شهدتها المدينة.
وأوضحت د. كريديغ في تصريح خاص لها أن اختيار صبراتة جاء نتيجة لمكانتها التاريخية وما تزخر به من تنوع فسيفسائي يمتد عبر العصرين الروماني والبيزنطي..
هذا الامتداد الزمني أتاح تتبع مظاهر الاستمرار والتحول في الموضوعات والرموز ولا سيما الانتقال من المعتقدات الوثنية إلى المرحلة المسيحية إلى جانب ما تكشفه اللوحات عن الذوق الفني والهوية الثقافية ووظيفة الفضاء المعماري سواء في المنازل أو الحمامات، المعابد، الكنائس، والفسيفساء الجنائزية..
و أضافت.. بأن الدراسة لم تكتفِي بنقل البيانات الواردة في البطاقات التعريفية للوحات داخل المتحف الأثري بل ساهمت نتائج الأبحاث إلى تصحيحها ، و الإشارة إلى أوجه الخلل في مضامينها بنقد العديد منها عبر إعادة الفحص ” الأيقونوغرافي ” والمقارنة بالنظائر الفنية والسياق التاريخي، ومن أبرز هذه التصحيحات:
لوحة الملهمات: والتي كانت تُعرّف سابقاً في البطاقة المتحفية على أنها تمثل “الفصول الأربعة” حيث أثبتت الدراسة أنها تمثل “فينوس والملهمات” نظرًا لوجود رموز المعرفة والفنون وغياب العلامات الأيقونية للفصول.
لوحة الممثل التراجيدي: بعد أن كانت تُصنّف على أنها تمثل الكائن البحري “تريتون” قدمت الدراسة قراءة تصحيحية أثبتت أنها تمثل “ممثلاً تراجيدياً” بالنظر إلى غياب السمات البحرية وارتباط موقع اللوحة بالمنزل القريب من المسرح الروماني.
وقد شملت القراءات الجديدة أيضاً لوحات أخرى مثل فصل الخريف و الحصان المجنح (بيغاسوس) مما يقدم قيمة علمية تضاف إلى المدوّنة التاريخية للمدينة.
وتأسيساً على تعاملها الميداني مع الموقع الأثري دعت الباحثة كريديغ إلى ضرورة انتقال حماية الآثار من مجرد التعامل معها كأماكن للزيارة و الفُرجة ، إلى اعتبارها مصادر أساسية للمعرفة والذاكرة الوطنية، وأوصت بالآتي:
التوثيق الرقمي المستمر باعتماد التصوير عالي الدقة والمسح الرقمي والتوثيق الجغرافي للفسيفساء في مواقعها الأصلية.
الترميم العلمي المُستدام و وضع خطط صيانة استباقية ومستمرة لا تقتصر على التدخل بعد حدوث الضرر.
التثقيف و زيادة جرعات استهداف رفع الوعي المجتمعي عن طريق سد الفجوة الناتجة عن إغلاق المتحف الكلاسيكي في صبراتة منذ عام 2011 ، و ذلك عبر تفعيل “الحقيبة المتحفية ” في المدارس، ونشر المطويات السياحية، وتنظيم المعارض الفنية لخلق هوية بصرية للمدينة.
و أكدت الدكتورة مفيدة كريديغ أن البحث العلمي الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند منح الدرجة العلمية أو أن يُطوى في أدراج المكتبات، بل يجب أن يتحول إلى معرفة مشاعة تُسهم في بناء الوعي المجتمعي. وختمت تصريحها بالقول:
الحجر لا يصمت، بل يحتاج إلى من يحسن قراءة دلالاته.. ونحن لا نحافظ على الآثار من أجل الماضي وحده بل نحافظ عليها ليعرف المستقبل من كنا.



