اقتصاد

غياب العدالة والشفافية في عدادات الشركة العامة للكهرباء

رضا فحيل البوم

منذ‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬أطلقت‭ ‬الشركة‭ ‬العامة‭ ‬للكهرباء‭ ‬‮«‬GECOL‮»‬‭ ‬مشروع‭ ‬العدادات‭ ‬مسبقة‭ ‬الدفع،‭ ‬وكانت‭ ‬انطلاقته‭ ‬الأولى‭ ‬كمرحلة‭ ‬تجريبية‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس‭. ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أعوام‭ ‬على‭ ‬بداية‭ ‬التطبيق،‭ ‬تحول‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬استفهام‭ ‬كبيرة‭ ‬تثقل‭ ‬كاهل‭ ‬مواطنين‭ ‬دون‭ ‬غيرهم،‭ ‬وتفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تساؤلات‭ ‬ملحة‭ ‬حول‭ ‬العدالة‭ ‬والشفافية‭ ‬والاتصال‭ ‬المؤسسي‭ ‬لدى‭ ‬الشركة‭. ‬

اليوم،‭ ‬يجد‭ ‬سكان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أحياء‭ ‬طرابلس‭ ‬أنفسهم‭ ‬مطالبين‭ ‬بدفع‭ ‬ثمن‭ ‬كل‭ ‬كيلووات‭ ‬من‭ ‬التيار‭ ‬عبر‭ ‬مكاتب‭ ‬الجباية‭ ‬أو‭ ‬الخصم‭ ‬المباشر‭ ‬من‭ ‬حساباتهم‭ ‬المصرفية‭ ‬‮«‬بواقع‭ ‬30‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬ديناراً‭ ‬شهرياً‭ ‬كقسط‭ ‬ثابت‮»‬‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬التعبئة‭ ‬المستمرة‭ ‬للعدادات‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مدن‭ ‬ومناطق‭ ‬أخرى‭ ‬خارج‭ ‬النطاق،‭ ‬حيث‭ ‬استطلعنا‭ ‬آراء‭ ‬مواطنين‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬العدادات‭ ‬لم‭ ‬يطرق‭ ‬أبوابهم‭ ‬بعد،‭ ‬وأن‭ ‬استهلاك‭ ‬الكهرباء‭ ‬فيها‭ ‬يتم‭ ‬بلا‭ ‬حسيب‭ ‬ولا‭ ‬رقيب‭ ‬وبشكل‭ ‬مجاني‭ ‬تماماً‭. ‬

هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬من‭ ‬الفقدان‭ ‬التام‭ ‬للعدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الأعباء؛‭ ‬فلماذا‭ ‬يتحمل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬أعباء‭ ‬التحصيل‭ ‬بينما‭ ‬يُعفى‭ ‬الآخرون؟‭ ‬

عند‭ ‬محاولة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بيانات‭ ‬رسمية‭ ‬تُوثق‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬يصطدم‭ ‬المتابع‭ ‬بجدار‭ ‬من‭ ‬التعتيم‭. ‬ففي‭ ‬زيارات‭ ‬متكررة‭ ‬للموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الرسمي‭ ‬للشركة،‭ ‬نجد‭ ‬شحاً‭ ‬في‭ ‬البيانات؛‭ ‬باستثناء‭ ‬رقم‭ ‬وحيد‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬إجمالي‭ ‬العدادات‭ ‬بالشركة‭ ‬‮«‬1‭,‬531‭,‬100‭ ‬عداد‮»‬‭ ‬تحصلنا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2024م‭ ‬دون‭ ‬تفصيل‭ ‬لنسب‭ ‬التوزيع‭ ‬بين‭ ‬السكني،‭ ‬والتجاري،‭ ‬والصناعي،‭ ‬والزراعي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬القطاعات‭ ‬الحكومية‭ ‬والمستشفيات‭. ‬

والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬محاولة‭ ‬متابعة‭ ‬البيانات‭ ‬التشغيلية‭ ‬الأساسية‭ ‬كحجم‭ ‬التوليد‭ ‬المتاح‭ ‬والأحمال‭ ‬المتوقعة‭ ‬والعجز‭ ‬تصفحنا‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025م‭ ‬لنجد‭ ‬الخانات‭ ‬جامدة‭ ‬عند‭ ‬الرقم‭ ‬‮«‬0‭ /‬وات‭ ‬بتاريخ‭ …‬‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يطرأ‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬أي‭ ‬تحديث‭ ‬يُذكر‭ ‬منذ‭ ‬مايو‭ ‬2024‭. ‬أما‭ ‬الصفحة‭ ‬الرسمية‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬“فيسبوك”،‭ ‬فمعظم‭ ‬منشوراتها‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬الروتينية‭ ‬لفرق‭ ‬الصيانة‭ ‬وتركيب‭ ‬المحولات‭ ‬وهي‭ ‬تفاصيل‭ ‬لا‭ ‬تلامس‭ ‬الاحتياج‭ ‬الأولي‭ ‬للمواطن‭ ‬البسيط،‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬إجابات‭ ‬واضحة‭: ‬هل‭ ‬ستشهد‭ ‬منطقته‭ ‬طرح‭ ‬أحمال‭ ‬اليوم؟‭ ‬وكم‭ ‬عدد‭ ‬ساعات‭ ‬الانقطاع؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الأسباب؟‭ ‬

تفتقر‭ ‬الشركة‭ ‬العامة‭ ‬للكهرباء‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬إعلامية‭ ‬مهنية‭ ‬تراعي‭ ‬معايير‭ ‬النشر‭ ‬الأساسية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬وأهمية‭ ‬الخبر‭. ‬فالشركة‭ ‬لا‭ ‬تتحدث‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬منابرها‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬إنتاج‭ ‬الكهرباء‭ ‬اليومية،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬العجز،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬خريطة‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬تركيب‭ ‬العدادات‭. ‬

ولعل‭ ‬التجسيد‭ ‬الأوضح‭ ‬لهذه‭ ‬الفوضى‭ ‬الإعلامية‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الشركة‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الرسمي‭ ‬‮«‬www‭.‬gecol.ly‮»‬؛‭ ‬فكل‭ ‬محاولات‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬عبر‭ ‬محركات‭ ‬البحث‭ ‬تنتهي‭ ‬بنهاية‭ ‬مسدودة،‭ ‬حيث‭ ‬يظهر‭ ‬الموقع‭ ‬كمحيط‭ ‬مهجور‭ ‬متوقف‭ ‬عن‭ ‬الخدمة‭ ‬لدى‭ ‬المستضيف‭ ‬منذ‭ ‬فترة،‭ ‬في‭ ‬‮«‬سقطة‮»‬‭ ‬تقنية‭ ‬وإعلامية‭ ‬لا‭ ‬تليق‭ ‬بمؤسسة‭ ‬سيادية‭ ‬يدخل‭ ‬خزينتها‭ ‬حسب‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬لعام‭ ‬2023‮ ‬‭ ‬خصماً‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬الرابع‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬من‭ ‬4‭.‬385‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬لعام‭ ‬2023‭ ‬عدا‭ ‬تخصيص‭ ‬مبالغ‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬العام‭ ‬ب‭ ‬12‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬دعم‮ ‬‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬للوقود‭ ‬والغاز‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط‭.‬

ويؤكد‭ ‬غياب‭ ‬الشفافية‭ ‬تقرير‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬لعام‭ ‬2023م‭ ‬‮«‬صفحة‭ ‬356‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬ذكر‭ ‬عدم‭ ‬تعاون‭ ‬الشركة‭ ‬مع‭ ‬فرق‭ ‬الفحص‭ ‬التابعة‭ ‬لديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬الذين‭ ‬قم‭ ‬طردهم‭ ‬والتعرض‭ ‬لهم‭ ‬بالاعتداء‭ ‬اللفظي‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬الشركة‭ ‬العامة‭ ‬للكهرباء‭ ‬وإجبارهم‭ ‬على‭ ‬تسليم‭ ‬المكتب‭ ‬المخصص‭ ‬لفرق‭ ‬الفحص‭ ‬داخل‭ ‬مقر‭ ‬الشركة‭ ‬بشارع‭ ‬النصر‭ ‬بمدينة‭ ‬طرابلس‭ ‬وعرقلة‭ ‬لجان‭ ‬الفحص‭ ‬بالشركات‭ ‬التابعة‭ ‬للشركة‭ ‬الليبية‭ ‬للكهرباء‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬رؤساء‭ ‬مجالس‭ ‬إدارتها‭ ‬بضرورة‭ ‬عدم‭ ‬تمكين‭ ‬الديوان‭ ‬من‭ ‬مزاولة‭ ‬عمله‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لجان‭ ‬الفحص‭ ‬بهذه‭ ‬الشركات‭. ‬وعدم‭ ‬معرفة‭ ‬الديوان‭ ‬بكيفية‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬أموال‭ ‬الجباية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬كبيراً‭ ‬بعد‭ ‬تركيب‭ ‬العدادات‭ ‬مسبقة‭ ‬الدفع‭.‬

بين‭ ‬غياب‭ ‬الشفافية‭ ‬المالية‭ ‬وتخبط‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي،‭ ‬يظل‭ ‬المواطن‭ ‬هو‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف؛‭ ‬يدفع‭ ‬فواتير‭ ‬الكهرباء‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬اليومي،‭ ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬الأحمال‭ ‬وغياب‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬الجباية‭ ‬والتوزيع‭. ‬لقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتخرج‭ ‬الشركة‭ ‬العامة‭ ‬للكهرباء‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الصمت‭ ‬والبيانات‭ ‬الروتينية،‭ ‬وتتبنى‭ ‬نهج‭ ‬الشفافية‭ ‬الكاملة‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬إحصائيات‭ ‬دقيقة‭ ‬وخطة‭ ‬زمنية‭ ‬شاملة‭ ‬تُعيد‭ ‬العدالة‭ ‬والمصداقية‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬المواطن‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى