جمعة عبد العليم
أقترح أن تهتم الدولة، – إذا ما وجدت دولة- ، بتدريس علم النفس في جميع مراحل التعليم.. أن نقيم الأنشطة الثقافية المنوعة، عبر الإذاعات والمراكز الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، تلك التي تهتم بعلم النفس التربوي والاجتماعي، وعلم الجريمة، وعلم الانحرافات النفسية وجميع ما يمت لهذا العلم العظيم من فروع واختصاصات وجوانب.. أقترح أن تفتح العيادات النفسية بجانب العيادات الطبية.. أقترح أن نُعَالَج جميعًا من أمراضنا النفسية المتفشية ومن عقدنا الغائرة.. مرض التشفي في الحيّ والميت، مرض الذات المتضخمة؛ حيث يرى كل منا نفسه بأنها مركز العالم.. مرض التعدي على مواطن الجمال، من غابات وآثار وشعراء ومطربين وكتاب وفنانين.. مرض النيل من رموزنا الثقافية والتاريخية من نكرات تعتقد أنه يمكن لها أن تبني ذواتها المريضة على أنقاض الآخرين.. نحتاج أن نتعالج، أن نعوِّض قيم المحبة المفقودة في أتون الصراعات، أن نعيد صلة الرحم بمعناها الضيق الذي يشمل الأقارب إلى معناها الواسع الذي يستوعب الإنسانية جمعاء.. نحتاج لأن نبتسم بدل التجهم المرضي الذي يحتل وجوهنا جميعا.. نحتاج للكلمة الطيبة نقولها ونسمعها، للحضن الدافئ والقلب الطيب والعطاء الذي لا ينتظر ثمنا ولا تتبعه منة.. بلاد لم يسلم أحد من أذاها، وشعب يهدم حاضره وماضيه، ويضع العراقيل في دروب مستقبله..
نرمي فشلنا على قارعة الأعذار الواهية، ونطلب المثالية من الآخرين ونحن نمارس أخطاءنا..نحتاج جميعا لأن نتداوى من داء السرقة، سرقة المال العام، سرقة الوقت، سرقة أمان الآخرين.. نحن الليبيين، هذا الشعب الذي كان يضرب به المثل في الطيبة والشجاعة والكرم وإغاثة الملهوف واحتضان الغرباء..نحن الذين كنا مثالا للبلد الآمن المطمئن، ما الذي جَدّ علينا؟ ما الذي تغير فينا، ما الذي أزهق أرواحنا الطيبة واستبدلها بكل هذا الشر؟.
نحتاج لأن نتداوى بعد هذا الذي حدث لنا، بعد الحرب والموت والدمار، بعد تقافز قرود المصالح على غصون حياتنا، نحتاج لأن نُمْطَرَ بعد كل هذا الجدب، نحتاج لأن نغاث بعد كل هذا المحل..



