
كُنتُ محظوظًا إذ تفتّحتْ عيناي في زمنٍ كان الجميع متفقًا على أنّ السبيل لحياةٍ كريمةٍ هو العلم، أو بلغة أهلُ ذلك الزمان (القرايا)..
إذ تبين لبسطاء النَّاس كيف تحسنت حياة من أتقن القراءة والكتابة في «كتاتيب» المدينة القديمة وغيرها من المناطق، ولم يشترِ بـ)الخميسية( حمصًا، أو فولاً، فما بالك من تحصّل على شهادة «ابتدائية»، أو درس قليلاً من الإيطالية في «سكولا روما».
بحسّهم الفطري أيقن النَّاس والفقراء منهم على وجه الخصوص، أنّ مستقبل أطفالهم يكمن في الاحتماء بالعلم، أمام جبروت المال والنفوذ، فكانت قاعاتُ الدراسة ميدان تنافس شريفٍ، وحكمًا عادلاً «المعلّم».
من ناحيتي كانت لكلمة )المعلم( وقعٌ خاصٌ في أذني أكثر من: )مدرّس، أو أستاذ(، الاختلاف-هنا- هو ما رسمته لاحقاً في ذهني بطريقة قد لا يقتنع بها الغير: فالمعلم مَنْ يمنحك شيئاً غير موجود في الكتب، والمدرّسُ والأستاذُ مَنْ يعطيك المنهج الدراسي!
داخل أسوار المدينة القديمة، في بداياتي المدرسية كنتُ محظوظاً بمعلمين أجِلّاء، تعلمتُ منهم الكثير، إذ كانت «سبورة» مدخل مدرسة الأربع عرصات تتزين كل يومٍ سبتٍ ببيت شِعرٍ يخطهُ مديرها بيده، أتذكر منها أبياتٍ محببةً للشيخ: أحمد أبو منجل رحمه الله تقول:
لا تقل أَصلي وفَصلي أبدًا
إنما أصل الفتى ما قد حصل
إنما الورد من الشوك وما
ينبت النرجس إلا من بصل
الشيخ سالم البخاري رحمه الله، كانت أبياته تختلف، فقد كان يُصرّ على كتابة الواجب المدرسي ولو على )كاغط لحم( تزيل بقع الدماء وتكتب عليه، وعدم الغياب من المدرسة ولو كنتَ ترتدي )قبقاب( إذا لم يكن في مقدور والدك شراء حذاء لك.
الشيخ )الطاهر الزنتاني( رحمه الله، كان يوزّع ابتسامته وفرحه بلقاء طلبته، مثلما يضع في أيديهم قطعة حلوى يحمل منها في جيب «الفرملة» …
الشيخ )العربي حُسني( كان يُبعد أجسادنا النحيلة عن حائط الفصل شتاءً، قائلاً: نخاف عليكم من البرد.
أعلم جيدًا أن تلك الصورة البريئة قد تجاوزها هذا الزمان، فاختفى «المعلّم» فلم نعد نقفُ له، وحلّت محله حروفٌ مبتوره: )أ، م، د، أ.د، أ.د.م(.
ولم يعد العِلمُ يحمي العوام من تغول المال والنفوذ، فقد تفطّن مَنْ يملكهما إلى ضرورة تحييده، فجرّدتْ شريحة كبيرة من النَّاس من آخر أسلحتها: العِلم، ولم يَعُد بإمكانه بناء بيوتٍ لا عِماد لها!
فكيف بالله عليكم تقاوم شهادة ختم جودتها عِلمٌ حقيقي، بأخرى ختم جودتها المال، والنفوذ، والنحاس.! .. هل يستويان مثلاً؟!.


