
في المشهد الإعلامي الليبي، تتعدّد الوجوه وتختلف التجارب، لكن تبقى هناك أسماء تسعى إلى ترك بصمتها الخاصة، وصناعة حضور يرتكز على المهنية والثقة والقدرة على الوصول إلى الجمهور، ومن بين هذه التجارب، نلتقي بالإعلامية «نور الرتيمي» في حوار خاص، نقترب فيه من مسيرتها الإعلامية، ونفتح ملفات التجربة والطموح والتحديات، ونتوقف عند واقع الإعلام الليبي وما يحتاجه من تطوير وتجديد.
حوار لا يكتفي باستعراض المحطات المهنية، بل يذهب إلى ما وراء الكاميرا والميكروفون، ليطرح أسئلة حول معنى أن تكون إعلاميًا اليوم، وكيف يمكن للإعلامي أن يحافظ على هويته المهنية وسط التحولات المتسارعة، وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه الإعلام في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام؟.
حدثينا عن بدايتكِ في المجال الإعلامي، وما الذي دفعكِ إلى اختيار هذه المهنة؟
بدايتي كانت مدفوعة بالشغف وحب التواصل مع النَّاس، والرغبة في أن أكون جزءًا من مشهد إعلامي قادر على التأثير، الإعلام. بالنسبة ليّ ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية ورسالة، وفرصة للتعبير عن قضايا المجتمع ونقل صوته، وقد تعلّمتُ مع التجربة أن النجاح في هذا المجال يحتاج إلى الصبر والتطوير المستمر والإيمان بما نقدمه
ما المحطة الأبرز في مسيرتكِ الإعلامية؟
كل محطة في مسيرتي أضافتْ ليّ شيئًا مختلفًا، سواء على مستوى الخبرة أو التعامل مع الجمهور، أو فهم طبيعة العمل الإعلامي، أؤمن بأن التجارب، حتى الصعبة منها، تصنع شخصية الإعلامي وتمنحه القدرة على التعامل مع مختلف المواقف، والأهم أن يظل الإنسان مستعدًا للتعلم والتجديد
كيف تقيّمين واقع إعلامنا اليوم، في ظل التحوَّلات السياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد؟
الإعلام الليبي يمتلك طاقات وكفاءات مميزة، لكنه يحتاج إلى مزيدٍ من المهنية والاستقلالية والتخطيط، نحن بحاجة إلى إعلام يضع الحقيقة في المقدمة، ويمنح مساحة للرأي المسؤول، ويبتعد عن خطاب التحريض والانقسام، كما أن تطوير المؤسسات الإعلامية وتأهيل الكوادر من أهم الخطوات لبناء إعلام يواكب تطلعات المجتمع
هل استطاعتْ الإعلامية الليبية أن تحجز مكانتها المستحقة في المشهد الإعلامي؟
المرأة الليبية أثبتت قدرتها على الحضور والتميز في مجالات إعلامية متعدَّدة، لكن الطريق ما زال يحتاج إلى مزيد من الفرص والدعم والإنصاف، المعيار الحقيقي يجب أن يكون الكفاءة والقدرة المهنية، بعيدًا عن الصور النمطية، وأتمنى أن تتاح للمرأة الإعلامية مساحات أكبر لتقديم أفكارها وقيادة المشاريع والبرامج المؤثرة
ما أبرز التحديات التي تواجه الإعلامية الليبية في أداء عملها؟
من أبرز التحديات محدودية الفرص في بعض المؤسسات، وضعف الإمكانات أحيانًا، إلى جانب الضغوط المرتبطة بطبيعة العمل الإعلامي، كما أن الإعلامية مطالبة بإثبات كفاءتها باستمرار في بيئة تتطلب الكثير من الجهد، ومع ذلك فإن تطوير المهارات والثقة بالنفس والالتزام بأخلاقيات المهنة تظل عوامل أساسية لتجاوز الصعوبات
ما أبرز المحطات التي شكّلت حضوركِ الإعلامي وأسهمت
في إثراء تجربتكِ المهنية؟
مشاركتي في مؤتمر مستقبل الإعلام والاتصال في المملكة الأردنية الهاشمية إحدى المحطات التي أعتز بها كثيرًا فقد تشرفتُ بحضور هذا المؤتمر، الذي شكّل فرصة مميزة لتبادل الخبرات والتواصل مع نخبة من الإعلاميين، إلى جانب استشراف آفاق جديدة لمستقبل الإعلام، وأقدّر كل تجربة تتيح ليّ التعلم والانفتاح على رؤى جديدة، وتُسهم في إثراء مسيرتي الإعلامية وتطوير أدواتي المهنية.
في رأيك هل أصبح الإعلام اليوم يهتم بالمحتوى الهادف أم أن سباق المشاهدات فرض نفسه على حساب الجودة؟
لا يمكن إنكار أن المنافسة على المشاهدات أصبحت مؤثرة في طبيعة المحتوى، لكنَّني أرى أن القيمة الحقيقية للإعلام تكمن فيما يقدمه للجمهور من معرفة وفائدة ومتعة راقية، ليس كل محتوى يحقق انتشارًا سريعًا قادرًا على ترك أثر دائم، الإعلام الناجح هو الذي يجمع بين الجاذبية والجودة ويحترم عقل المشاهد وذوقه.
إلى أي مدى أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تطوير العمل الإعلامي. وهل أصبحت منافسًا للمؤسسات التقليدية؟
منصات التواصل الاجتماعي أحدثت تحوّلًا كبيرًا في سرعة انتشار المعلومات وطريقة التواصل مع الجمهور، وأصبحت مساحة مهمة للإعلاميين للوصول إلى شرائح واسعة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى وعي ومسؤولية، لأن سرعة النشر لا تعني دائمًا دقة المعلومة، وأعتقد أن المستقبل سيكون للإعلام الذي يجمع بين سرعة المنصات الرقمية ومصداقية العمل الصحفي المهني
كيف تتعاملين مع الانتقادات التي قد تتعرضين لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
أتعامل مع النقد الموضوعي باعتباره فرصة للمراجعة والتطوير، فليس هناك إعلامي لا يخطئ، أو لا يحتاج إلى التعلم. أما الإساءة والتجريح، فلا ينبغي أن تتحوَّل إلى معيار للحكم على العمل المهني، المهم أن يحافظ الإعلامي على هدوئه وثقته بنفسه، وأن يترك جودة عمله ومصداقيته تتحدثان عنه .
ما المسؤولية التي يتحملها الإعلامي تجاه مجتمعه في هذه المرحلة؟
المسؤولية كبيرة، لأن الإعلام يستطيع أن يُسهم في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الحوار والتقارب بين الليبيين، نحن بحاجة إلى خطاب إعلامي يسلط الضوء على القضايا الحقيقية للمواطن، ويدعم الثقافة والفنون والرياضة، ويمنح الشباب مساحة للتعبير والإبداع، كما يجب أن يلتزم الإعلامي بالتحقق من المعلومات، وأن يدرك أن الكلمة قد تبني وقد تهدم.
ما طموحات نور الرتيمي في المرحلة المقبلة؟ وما الرسالة التي توجهينها للجيل الجديد من الإعلاميين؟
أطمح إلى مواصلة التطور المهني، وخوض تجارب جديدة تضيف إلى مسيرتي، وتقديم محتوى يترك أثرًا إيجابيًا لدى الجمهور، أما رسالتي إلى الإعلاميين الشباب فهي ألا يتوقفوا عن التعلم والقراءة والتدريب، وأن يحافظوا على مصداقيتهم وأخلاقيات مهنتهم، وألا يجعلوا البحث عن الشهرة يسبق البحث عن القيمة، فالإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين وحده، بل بما يقدمه من أثر ومعرفة وثقة.
ختامًا …
تبقى التجارب الإعلامية الناجحة بحاجة إلى مساحة للحوار والتقييم، وإلى بيئة مهنية تمنح الكفاءات فرصة للإبداع والتطور، فالإعلام ليس مجرد ظهور أمام الكاميرا، أو خلف الميكروفون، بل مسؤولية تبدأ من الكلمة الصادقة وتنتهي بالأثر الذي تتركه في المجتمع.
الإعلام الناجح هو الذي يجمع بين الجاذبية والجودة ويحترم عقل المشاهد وذوقه



