اقتصاد

معالجة الاختلالات لا تتم دون إصلاح حقيقي يضبط الإنفاق العام

فائزة صالح العجيلي

الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ومؤسس‭ ‬سوق‭ ‬المال‭ ‬الليبي‭ ‬وأستاذ‭ ‬التمويل‭ ‬والاستثمار‭/‬د‭. ‬سليمان‭ ‬الشحومي‭/ ‬لـ«فبراير‮»‬‭:‬

بين‭ ‬مؤشرات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المعلنة‭ ‬والتراجع‭ ‬المتواصل‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار،‭ ‬تتسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية‭ ‬والواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬للمواطن‭ ‬الليبي‭. ‬فارتفاع‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحسن‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬التضخم‭ ‬يلتهم‭ ‬الدخول،‭ ‬وسعر‭ ‬الصرف‭ ‬يضاعف‭ ‬الأعباء،‭ ‬والإنفاق‭ ‬العام‭ ‬يتوسع‭ ‬دون‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعابه‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭: ‬كيف‭ ‬ينمو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بينما‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجاته‭ ‬الأساسية؟

في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬لصحيفة‭ ‬‮«‬فبراير‮»‬،‭ ‬يقدم‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ومؤسس‭ ‬سوق‭ ‬المال‭ ‬الليبي‭ ‬وأستاذ‭ ‬التمويل‭ ‬والاستثمار‭.‬‮  ‬‭ ‬الدكتور‭ ‬سليمان‭ ‬سالم‭ ‬الشحومي‭ ‬قراءة‭ ‬للاختلالات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الليبي،‭ ‬محذراً‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬تمويل‭ ‬العجز‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي،‭ ‬ومؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬بزيادة‭ ‬المرتبات‭ ‬أو‭ ‬القرارات‭ ‬المنفردة،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬متكامل‭ ‬يعيد‭ ‬التوازن‭ ‬للمالية‭ ‬العامة‭ ‬ويحمي‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬النمو‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الليبي‭ ‬نمواً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬وتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية؟‭ ‬وما‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬اعتمادها‭ ‬لقياس‭ ‬التحسن‭ ‬الاقتصادي؟

هناك‭ ‬بالفعل‭ ‬نمو‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬لكنه‭ ‬نمو‭ ‬متذبذب‭ ‬وغير‭ ‬مستقر،‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬وتحسن‭ ‬أسعاره،‭ ‬ولا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬توسعاً‭ ‬مستداماً‭ ‬في‭ ‬القاعدة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬للاقتصاد‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬وتحسين‭ ‬معيشة‭ ‬المواطنين‭.‬

المعضلة‭ ‬الأساسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تسارع‭ ‬التضخم‭ ‬وتراجع‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬نتيجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬والسياسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بسعر‭ ‬الصرف‭. ‬وما‭ ‬نخشاه‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬مجدداً‭ ‬إلى‭ ‬تخفيض‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬بهدف‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬السوق‭ ‬الموازية،‭ ‬أو‭ ‬تكرار‭ ‬سياسة‭ ‬الزحف‭ ‬التدريجي‭ ‬لسعر‭ ‬الصرف‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬النتائج‭ ‬المرجوة‭ ‬سابقاً‭.‬

إن‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬بإجراءات‭ ‬نقدية‭ ‬منفردة،‭ ‬دون‭ ‬إصلاح‭ ‬حقيقي‭ ‬يضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬وهيكل‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭. ‬فنجاح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الناتج‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬باستقرار‭ ‬العملة‭ ‬وتحسن‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬وتنوع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإنتاج‭.‬

فجوة‭ ‬الصرف‭ ‬والتضخم‭.. ‬كيف‭ ‬تنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الأسرة‭ ‬الليبية؟‭ ‬وهل‭ ‬تستطيع‭ ‬زيادات‭ ‬المرتبات‭ ‬المرتقبة‭ ‬تعويض‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية؟

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السعرين‭ ‬الرسمي‭ ‬والموازي،‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬50‭% ‬واقتربت‭ ‬من‭ ‬60‭%‬،‭ ‬يضعان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أمام‭ ‬اختلالات‭ ‬خطيرة‭. ‬فهذه‭ ‬الفجوة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬العملة،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متراكمة‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتنعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬ومستوى‭ ‬معيشة‭ ‬المواطن‭.‬

أما‭ ‬الأسرة‭ ‬الليبية،‭ ‬فهي‭ ‬تتحمل‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬لهذه‭ ‬الاختلالات؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬المرتبات‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬أثرها‭ ‬سريعاً‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬التضخم‭ ‬بالوتيرة‭ ‬نفسها‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬رفع‭ ‬الأجور،‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬معالجة‭ ‬أسباب‭ ‬تراجع‭ ‬الدينار‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬لن‭ ‬يحقق‭ ‬تحسناً‭ ‬مستداماً‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬وقد‭ ‬تلتهم‭ ‬الزيادةَ‭ ‬موجاتُ‭ ‬التضخم‭.‬

المعالجة‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬على‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬حكومي‭ ‬واضح،‭ ‬بمشاركة‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬عبر‭ ‬توفير‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬اللازمة‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تقتصر‭ ‬السياسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬موظفي‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والمتقاعدين‭ ‬والفئات‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شبكة‭ ‬أمان‭ ‬اجتماعي‭ ‬تضمن‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة‭.‬

إصلاح‭ ‬شامل‭ ‬لا‭ ‬حلول‭ ‬مجتزاه‭.. ‬ما‭ ‬الإصلاحات‭ ‬العاجلة‭ ‬المطلوبة‭ ‬لاستعادة‭ ‬استقرار‭ ‬الدينار‭ ‬والقوة‭ ‬الشرائية؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الدعم‭ ‬والمرتبات‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية؟

الإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بقرارات‭ ‬منفردة‭ ‬أو‭ ‬حلول‭ ‬مجتزأة،‭ ‬مثل‭ ‬تعديل‭ ‬المرتبات‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬انعكاساته‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬مكونات‭ ‬الاقتصاد‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬متكامل‭ ‬يعالج‭ ‬الاختلالات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬ويحدد‭ ‬أولويات‭ ‬الإنفاق،‭ ‬ويضبط‭ ‬تمويل‭ ‬العجز،‭ ‬ويعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الدعم‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية‭.‬

ملف‭ ‬المرتبات‭ ‬يمثل‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬المشكلة،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬المشكلة‭ ‬كلها‭. ‬فهناك‭ ‬إنفاق‭ ‬عام‭ ‬متضخم،‭ ‬ودعم‭ ‬يستهلك‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أوجه‭ ‬إنفاق‭ ‬أخرى‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬وضوابط‭ ‬واضحة‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الملفات‭ ‬متوازنة‭ ‬ومدروسة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنتقل‭ ‬أعباء‭ ‬الإصلاح‭ ‬إلى‭ ‬المواطن،‭ ‬خصوصاً‭ ‬محدودي‭ ‬الدخل‭ ‬والفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة‭.‬

كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬خطة‭ ‬الإصلاح‭ ‬شبكة‭ ‬أمان‭ ‬اجتماعي‭ ‬تحمي‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬المنخفضة،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬المتقاعدين‭ ‬وغير‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬العمل‭. ‬فالإصلاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بخفض‭ ‬الإنفاق‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬الأرقام،‭ ‬بل‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬وتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬المعيشي‭.‬

أنا‭ ‬ضد‭ ‬المعالجات‭ ‬المحدودة‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬ملفاً‭ ‬واحداً‭ ‬وتتجاهل‭ ‬بقية‭ ‬الاختلالات‭. ‬المطلوب‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬تربط‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬بالنقدية،‭ ‬وتضبط‭ ‬الإنفاق،‭ ‬وتعالج‭ ‬الدعم،‭ ‬وتعزز‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتضمن‭ ‬توزيعاً‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬لأعباء‭ ‬الإصلاح‭.‬

ختاما‭: ‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬تمويل‭ ‬العجز‭ ‬والإنفاق‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬سيبقي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أسيراً‭ ‬لدائرة‭ ‬تتكرر‭ ‬فيها‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق،‭ ‬ثم‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار،‭ ‬فارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وتآكل‭ ‬دخول‭ ‬المواطنين‭. ‬والتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬الشأن‭ ‬الليبي‭ ‬ليس‭ ‬تسجيل‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬التقارير،‭ ‬وإنما‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وحماية‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬وصون‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬المواطن‭. ‬فالنمو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لصناعة‭ ‬الاستقرار،‭ ‬والإصلاح‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬بنتائجه‭ ‬يظل‭ ‬ناقصاً‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬أرقامه‭ ‬إيجابية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى