ثقافة

أسطورة المكان والبحث عن الهوية في قصة «الغزالة» للقاص عدنان عون الله

سميرة البوزيدي

‮ ‬تحدث‭ ‬القاص‭ ‬عدنان‭ ‬عون‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية‭ ‬عن‭ ‬واحة‭ ‬درج‭ ‬قائلاً‭:‬

‭)‬درج‭ ‬واحة‭ ‬زاهرة‭ ‬مزدهرة‭ ‬شهدتْ‭ ‬حضارة‭ ‬الجرمنت‭ ‬العظيمة،‭ ‬وسيطرة‭ ‬القرطاجين‭ ‬والرومان‭(.‬

‭)‬واحة‭ ‬درج‭ ‬الليبية‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬واحات‭ ‬الصحراء‭(.‬

‭)‬واحة‭ ‬درج‭ ‬الليبية‭(‬تمتزج‭ ‬قصصها‭ ‬بين‭ ‬الأسطورة‭ ‬والواقعية‭ ‬في‭ ‬جمالية‭ ‬الصحراء،‭ ‬وقصصها‭ ‬الجميلة‭ ‬من‭ ‬الموروث‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬يأخذكَ‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬قصصية‭ ‬أساطير،‭ ‬وحكايات‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الصحراء‭ ‬للقاص‭ ‬عدنان‭ ‬عون‭ ‬الله،‭ ‬اشتملتْ‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية‭ ‬على‭ ‬الحكايات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأساطير‭ ‬الخيالية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬لواحة‭ ‬درج،‭ ‬تزينت‭ ‬المجموعة‭ ‬بالأحداث‭ ‬المدهشة‭ ‬والشخصيات‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬عبرتْ‭ ‬عن‭ ‬حياتها‭ ‬بهدوء‭ ‬ونقاء‭ .. ‬أما‭ ‬المكان‭ ‬فقد‭ ‬أبدع‭ ‬القاص‭ ‬أن‭ ‬يتجوَّل‭ ‬بالقارئ‭ ‬إلى‭ ‬الصحراء‭ ‬وواحة‭ ‬درج‭ ‬بمزارعها‭ ‬وتفاصيل‭ ‬حياتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬بصمة‭ ‬تاريخية‭ ‬لأهل‭ ‬الواحة‭ ‬واخترتُ‭ ‬قصة‭ )‬الغزالة‭( ‬لؤلؤة‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية،‭ ‬وقراءتي‭ ‬تبدأ‭ ‬بالآتي‭:‬

موضوع‭ ‬القصة‭:‬

تروي‭ ‬القصةُ‭ ‬حياة‭ ‬يوسف‭ ‬البسيطة‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬واحة‭ ‬درج‭ )‬كان‭ ‬يوسف‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬واحة‭ ‬درج‭ ‬قديمًا‭( ‬لديه‭ ‬زوجة‭ ‬وأبناء‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬الحطبَ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تدفئة‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭.‬

يأخذنا‭ ‬القاص‭ ‬في‭ ‬روعة‭ ‬السرد‭ ‬وجماله،‭ ‬ودقته،‭ ‬وأسطورته‭ ‬الماتعة‭ ‬إلى‭ ‬إضاءة‭ ‬شخصية‭ ‬البطل‭ ‬وما‭ ‬يتعرَّض‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬من‭ ‬رؤيته‭ ‬للغزالة‭ ‬فرغب‭ ‬‮ ‬في‭ ‬صيدها ثم‭ ‬تنطلق‭ ‬المواقف‭ ‬المثيرة‭ ‬لقد‭ ‬ضاعتْ‭ ‬طريق‭ ‬البطل‭ ‬وتدهورت‭ ‬دابته‭ ‬وانتهى‭ ‬طعامه‭ ‬حتى‭ ‬أغمى‭ ‬عليه‭ ‬ثم‭ ‬عثر‭ ‬عليه أهل‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى‭ ‬فاهتموا‭ ‬برعايته‭ ‬حتى‭ ‬دخل‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬قبل‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬واحته‭.‬

‭- ‬أسطورة‭ ‬المكان‭ :‬

الصحراء‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬وحكايات‭ ‬شكلتْ‭ ‬المكان‭ ‬واتخذها‭ ‬القاص‭ ‬محورًا‭ ‬لتشكيل‭ ‬الهوية‭ ‬‮ ‬وسر‭ ‬التعلق‭ ‬بها‭ )‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الواحة‭ ‬قديمًا‭ ‬صعبة‭(‬

لكن‭ ‬أبطالها‭ ‬يخوضون‭ ‬وديانها‭ ‬وساحاتها‭ ‬بكل‭ ‬إرادة‭ ‬وعزيمة‭.‬

تميزتْ‭ ‬الصحراء‭ ‬بأعشابها‭ ‬الطبية‭ ‬فانطلق‭ ‬أهلها‭ ‬بجمعه‭ ‬واستخدامه‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الشعبي‭ (‬وصل‭ ‬المكان‭ ‬المليء‭ ‬بحطب‭ ‬الرتم‭ ‬والفرس‭ ‬وبعض‭ ‬الأعشاب‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬كعلاج‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الشعبي‭)‬

صور‭ ‬القاص‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬الصحراء‭ ‬من‭ ‬خيرات‭ ‬لأهل‭ ‬درج‭ ‬من‭ ‬أرضها‭ ‬ونخيلها‭ ‬وقدم‭ ‬جمالية‭ ‬لهذه‭ ‬الواحة‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬أحداث‭ ‬غريبة‭ ‬ومواقف‭ ‬مريبة‭ ‬كانت‭ ‬صراعا‭ ‬مع‭ ‬البطل‭ ‬وهذا‭ ‬الانتقال‭ ‬شكل‭ ‬تعلق‭ ‬المتلقي‭ ‬بالمشاهد‭ ‬البصرية‭ ‬والصور‭ ‬‮ ‬الجميلة‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية‭.‬

‭-‬الغزالة‭:‬

عتبة‭ ‬‮ ‬مثيرة‭ ‬ترمز‭ ‬إلى‭ ‬الجمال‭ ‬الحضوري‭ ‬لاسمها‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المتلقي‭ ‬باسم‭ ‬المرأة‭ ‬الحسناء‭ ‬كذلك‭ ‬ترمز‭ ‬إلى‭ ‬الحيوان‭ ‬الذي‭ ‬يطارده‭ ‬البطل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وليمة‭ ‬ناضجة‭ ‬‮ ‬لكن‭ ‬الأحداث‭ ‬تكشف‭ ‬خطر‭ ‬الغزالة‭ ‬وأسطورتها‭ ‬القصصية‭.‬

‭)‬ظل‭ ‬يوسف‭ ‬يراقب‭ ‬ذلك‭ ‬بعين‭ ‬ثاقبة‭ ‬حتى‭ ‬وقعت‭ ‬شاة‭ ‬غزال‭ ‬في‭ ‬مصيدة‭(‬،‭ ‬وحقق‭ ‬يوسف‭ ‬هدفه‭ ‬الأول‭.‬

لكن‭ ‬أسطورة‭ ‬الحدث‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬غزالة‭ ‬أخرى‭ ‬تلاحق‭ ‬يوسف‭ ‬وتقف‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬وتقلب‭ ‬الحدث‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬الغزالة‭ ‬زوجة‭ ‬البطل‭ ‬فهي‭ ‬جنية‭ ‬سرقت‭ ‬عقله‭ ‬وفؤاده

‭)‬لقد‭ ‬عشقت‭ ‬الجنية‭ ‬الغزالة‭ ‬يوسف‭ ‬وتزوجت‭ ‬به‭ ‬حسب‭ ‬تشخيص‭ ‬الفقي‭ ‬الشريف‭(.‬

هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬‮«‬مالينوفسكي‮»‬‭ ‬بقوله‭ )‬للأسطورة‭ ‬العناية‭ ‬الكبرى‭ ‬بالسياق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬سواء‭ ‬الذي‭ ‬تتحدث‭ ‬عنه‭ ‬الأسطورة‭ ‬أو‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬الأسطورة‭ ‬ويمارس‭ ‬فعل‭ ‬الحكي‭ ‬الأسطوري‭(.‬

لذلك‭ ‬كانت‭ ‬الغزالة‭ ‬رمزا‭ ‬للبقاء‭ ‬والحياة‭ ‬واستطاع‭ ‬القاص‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬الشخصيات‭ ‬ويصعد‭ ‬الصراعات‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬بمنحى‭ ‬أسطوري‭ ‬مصورا‭ ‬الأوضاع‭ ‬والتقاليد‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬الغزالة‭ ‬مثل‭ ‬قضية‭ ‬زواج‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬الأخ‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ .‬

‭ ‬واحة‭ ‬درج‭ :‬

كانت‭ ‬درج‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬رمزا‭ ‬لطيبة‭ ‬سكانها‭ ‬وثقافاتهم‭ ‬المتنوعة‭ ‬ومهنتهم‭ ‬وحياتهم‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬التراث‭ ‬،‭ ‬الطبيعة‭ ‬الصحراوية‭ ‬،‭ ‬الكرم‭ ‬،‭ ‬العطاء‭ ‬‮«‬يوسف‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬واحة‭ ‬درج‮»‬‭ )‬فقد‭ ‬اشتاق‭ ‬لديار‭ ‬ذاك‭ ‬الوطن‭( ‬‮«‬عشرون‭ ‬يومًا‭ ‬فقط‭ ‬والقافلة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬درج‮»‬‭ ‬‮«‬قصر‭ ‬درج‮«‬‭ )‬حصلت‭ ‬حصلت‭ ‬لهجية‭ ‬درجية‭( ‬نلحظ‭ ‬تكرار‭ ‬كلمة‭ ‬درج‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬فهي‭ ‬الوطن،‭ ‬رمز‭ ‬الهوية‭ ‬الليبية،‭ ‬ابتعد‭ ‬اليطل‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭ ‬وضاع‭ ‬لكنه‭ ‬رجع‭ ‬إليه‭ ‬مسرورا

واحة‭ ‬درج‭ ‬تمثل‭ ‬القوة‭ ‬الشجاعة‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬‮ ‬المغامرة‭ ‬العطاء‭ .‬

يقول‭ ‬القاص‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬درج‭ ‬مدينة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأودية‭ ‬الطويلة‭ ‬كـ‭)‬وادي‭ ‬آوال‭( ‬كانت‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬نهاية‭ ‬البطل‭ ‬غومة‭ ‬المحمودي‭ ‬ووديان‭ ‬ميمون‭ ‬،‭ ‬هذه‭ ‬الأودية‭ ‬كانت‭ ‬قديما‭ ‬وحتى‭ ‬عهد‭ ‬قريب‭ ‬جدا‭ ‬كانت‭ ‬غنية‭ ‬بقطعان‭ ‬الغزال‭ ‬وبقر‭ ‬الوحش‭ ‬والودان‭ ‬والنعام‭ ‬وغيرها‭) ‬منقول‭ ‬وهكذا‭ ‬نلحظ‭ ‬تشكلات‭ ‬الهوية‭ ‬وروح‭ ‬المكان‭ ‬وعشقه‭ ‬عند‭ ‬القاص‭.‬

منارة‭ ‬درج‭:‬

تضمن‭ ‬النص‭ ‬إشارات‭ ‬تاريخية‭ ‬منها‭ ‬منارة‭ ‬درج‭ ‬هي‭ ‬أعلى‭ ‬قبة‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬نقطة‭ ‬بقصر‭ ‬درج‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬سابقا‭ ‬كعلامة‭ ‬تهتدي‭ ‬بها‭ ‬القوافل‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬غدامس‭ ‬إلى‭ ‬أفريقيا‭ ‬والعكس‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬قول‭ ‬القاص‭ )‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬مسافة‭ ‬خلفه‭ ‬ليري‭ ‬قصر‭ ‬درج‭ ‬وفوق‭ ‬القصر‭ ‬القبة‭ ‬المسماة‭ ‬المنارة‭.. ‬وهي‭ ‬أعلى‭ ‬نقطة‭ ‬بالواحة‭(.‬

كان‭ ‬المكان‭ ‬دلالة‭ ‬تاريخية‭ ‬ومسرحًا‭ ‬لأحداث‭ ‬المدينة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالمدن‭ ‬المجاورة‭ ‬مثل‭ :‬

المنارة،‭ ‬مزرتني،‭ ‬الردرد،‭ ‬غات‭ ‬وغيرها‭ ‬الكثير‭.‬

القافلة‭:‬

حركت‭ ‬القافلة‭ ‬الحدث‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬أنقذت‭ ‬البطل‭ ‬وجدت‭ ‬هذه‭ ‬القافلة‭ ‬يوسف‭ ‬هناك‭ ‬مغمى‭ ‬عليه

حضور‭ ‬القافلة‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬يستدعي‭ ‬حضور‭ ‬الصحراء واتساعها‭ ‬والتنقل‭ ‬ووجود‭ ‬القوافل‭ ‬والترحال‭ ‬بين‭ ‬مدن‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬واحة‭ ‬درج‭ ‬والعلاقة‭ ‬المتينة‭ ‬بين‭ ‬الأمكنة‭ ‬والترابط‭ ‬الروحي‭ ‬والأسري‭ ‬اهل‭ ‬الصحراء‭ ‬والطوارق‭ ‬ويذكرنا‭ ‬القاص‭ ‬بقصص‭ ‬وروايات‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬إبراهيم‭ ‬الكوني‭ .‬

إن‭ ‬قصة‭ ‬الغزالة‭ ‬تمثل‭ ‬أسطورة‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬أهل‭ ‬الصحراء‭ ‬الليبية‭ ‬وكانت‭ ‬واحة‭ ‬درج‭ ‬أنموذجًا‭ ‬واقعيًا‭ ‬تشكل‭ ‬بروح‭ ‬الأسطورة‭ ‬الفنية‭ ‬وأظهرت‭ ‬القصة‭ ‬عمق‭ ‬الأصالة‭ ‬والإبداع‭ ‬لقلم‭ ‬القاص‭:‬‮ ‬عدنان‭ ‬عون‭ ‬الله‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى