
كُلّ إثنين..
أجدُ نفسي أسبوعيّاً في صراعٍ بين العقلِ والقلبِ، سببه مساحةً في الصفحة الأخيرة من هذه الجريدة، أفهمُ جيّدًا أنّها جاءتْ بقرار تخصيص وهي بالتالي مِلكية انتفاع لمدة مُحدّدة وليست ملكيّة مقدسة، لا أنكرُ أنها أعطتني استراحة وارفة الظلال، لكنها من جهة أخرى أظهرتْ إلى السطح معركةً، حرصتُ دائمًا أن يدور رحَاها بعيداً عن الأعين والأذان.!
فبقدر ما أعشق الكتابة فيما يُمكن تسميته )أدبًا( وهي علاقة حبّ يتوارى فيها العقل خجلاً من مما يَدور في تلافيفه من فرضيات، بقدر ما أجدُ في الكتابة التي أسميّها تجاوزًا )الوعي( وهي ضربٌ من الكتابة يتوقف فيها خفقان القلب، ليحلّ محله ما خزنّه الدماغ من يوم صرخة الولادة وحتى تأكده من وجود الشيطان في الجيب!
هي علاقة غير متكافئة، محاولتي فيها أن أكون عادلاً، باءتْ بالفشل، عللتُ ذلك بقولي: ما جعلنا لإنسان من قلبين في جوفه.!
إذ تحولّت صراعٌ ينام فبها من وقّع قرار التخصيص ملء جفونه عن شواردها، بينما أسهر بينهما وأختصمُ!
فالقلب وبعد أسبوعٍ واحد من حيازة المكان، همست نبضاته في أذني بأنّه )رَبّى عليه كبد(. فأصبح ينتظرُ اللقاء الأسبوعي بشوقِ ولهفةِ العاشق المحب، لم يثنهِ عن ذلك كونه حُباً من طرفٍ واحدٍ..
الَعَقل على الجانب الآخر، وبعد أسابيع عديدة، لَمْ يبدِ رأيّاً، ارتدى عباءة الحكيم، وجعلَ من الصمت والإنصات ديدنه، ولم يُعطِ بالاً لمراسلات القلب، دخل في حالة يحبها كثيراً: يُنقب ويقيس..
صالَ وجالَ مستحضراً تجارب الأولين والآخرين، فمن «الحقيقة» إلى «الرائد» ومن «الحريّة» إلى «البلاغ» ومن «الشطّ» إلى «لا» خاضَ حواراً بين الحُلم والواقع، بين العين والمخرز، بين الكلمة والرصاصة، محوّلاً شمس الصباح إلى قمر حزينٍ..
صراعٌ لم أجد وسيلة للخروج منه سواء بحيلة تعتمدها كُتب التحليل النفسي، أن تحوّل هذه الدراما إلى موقف يُدخلُ عليكَ البسمة، فدندنتُ مُقلداً «راسم فخري»:
من القلب وإلاّ العقل أصل الغيّة
فيكمش من يعرف يرّد عليّا..
وذهبتُ في ضحكة طويلة….

