
أدركتْ المنية أخيرًا القانوني الكبير الأستاذ عبد السلام دقيمش بعد مشوار من العمل قطعه في القضاء ثم المحاماة ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي عقب تخرجه من كلية الحقوق حيث نُسِّبَ للقضاء بداية من أدنى درجاته حتى الاستئناف بكل درجاته إلى أن حلَّ أخيراً بسلك المحاماة والمشاركة في قيادة نقابتها التي تعود تاريخياً إلى خمسينيات القرن الماضي والمعروفة دوماً بانخراط قياديها في ما يهم الشعب كافة، ما يعرضهم لأقسى العقوبات في أكثر من مرة حتى كانت هذه النهاية المؤلمة التي شاءت المقادير أن ينفرد بها، ووجب علينا معشر عارفيه وجميل مناقبه وشريف مواقفه، أن نذكر بعد أن اختارت العناية الإلهية أن يتم رحيله غرقاً داخل ركوبته مرتديا ملابس عمله المتمثل في الدفاع عن الحق، فلا يخرج من الركوبة إلا وهو جثةً هامدةً شريكاً في ما حلَّ بالبلاد من الخسائر، ويتسابق عديد العارفين لحقيقة مواقفه للإدلاء بما لديهم حوله وأثر رحيله، نعم فقد كان هذا الفقيد من الذين بادروا بوضع نقابة المحامين تحت تصرف ذوي الرأي الآخر من كتاب ليبيا ليدلوا بما لديهم حول عديد الأمور وبالذات في تسعينيات القرن الماضي عندما ظهرت ثغرة حرص الكثيرون على محاولة تطويرها فيما أصرَّ آخرون على اغتيالها، وتمضي الأمور كيفما شاءت لها الظروف أن تمضى، إلى أن حلت رياح التغيير في السابع عشر من فبراير وما ظهر بعد سيطرة الذين قطفوا ثمرته بعديد الأساليب للتمترس في صولجانه وأشهرها لعبة التحاصص بدعوى ضمان حقوق الأقاليم فكان عبد السلام دقيمش خلافا للذين اتخذوا من التحاصص سبيلا للفوز بما يخص الاقليم لنفسه، فتبنى الدفع بمن اعتقد فيه الأهلية، لولا أن شطارة اللاعبين قد سلكت سبيلاً آخراً، فصرفت النظر عما ارتأى تماما مثلما أفلحت قبل ذلك في التآمر على التوجه الذي قاده المرحومان نجيب الحصادي ومحمود جبريل، فبقي مثلهما قبل حضور المنية وفضل المجال الذي آنس فيه صونه لتمضي السنوات حتى كانت هذه النهاية في هذه الفيضانات الجارفة التي تحولت من نعمةٍ إلى نقمةٍ واتخذت منها العامة مناسبةً لكشف مواطن الفساد ورداءة الأداء، ولم يبق لدينا غير تدوين الكلمات، عسى أن تكون إسهاماً في إنصاف أحد العاملين فى صمتٍ وإضاءةً من قليل الإضاءات في هذا الظلام الذي لا يزداد مع الظلمة إلا سواداً اللهم إلا الأمل في لطف الأقدار مع صادق العزاء والترحم على هذا الفقيد ومن على دربه من العاملين في الصمتِ والراحلين فى صفوف الشهداء ونستمطر شآبيب رحمته على هذا الإنسان العالم العامل والصامت الصادق ومن و وصفهم أصدق القائلين بالصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

