ألف دينار للمتقاعدين «عيدية» حكومية تصطدم بواقع الأسعار ومخاوف استنزاف «الضمان»
ربيعة أبو القاسم
١٠٠٠ ألف دينار لمرة واحدة، هكذا جاء القرار الحكومي ليحرك المياه الراكدة بين أوساط المتقاعدين الليبيين مع اقتراب عيد الأضحى، القرار رقم )211( لسنة 2026، الصادر عن رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، خصَّص هذه المنحة لمن لا تتجاوز معاشاتهم ٢٠٠٠ ألفي دينار، على أن تُمول من فائض أموال صندوق الضمان الاجتماعي، بوعود بتسويات لاحقة من وزارة المالية .. بين أروقة المتقاعدين، لم يمر القرار مرور الكرام، فأنقسم الشارع بين من التقط هذه المنحة كطوق نجاة مؤقت في ظل غلاء الأسعار، وبين مَنْ رأها مسكناً ارتجالياً يهدد مدخرات الصندوق ويغض الطرف عن الحلول الجذرية.
أنفاس تُلتقط وسط الغلاء
على الضفة الأولى، تبدو المنحة جرعة أوكسجين ضرورية للبعض
العسكري المتقاعد مفتاح هبو من مدينة درج، يرى في الخطوة شجاعة حكومية تخفف قليلاً من قيود الإرهاق المالي:
«مثل هذه القرارات نراها جيدة وشجاعة ممن اتخذها ووقّع عليها، خاصة في هذا الوقت الذي نعيشه من غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الأدوية، وكل مستلزمات الحياة الكريمة. ولعل هذه الزيادة تخفف القليل من الإرهاق المالي الذي كبلنا».
هذا الارتياح يشاركه فيه عياد مسعود، المتقاعد من القواليش:
«باعتباري رب أسرة، ونظراً لضعف المرتب الضماني، سُعدت حقيقة بهذا القرار كغيري من زملائي المتقاعدين. نحن نرى فيه دعماً يساعدنا في تحسين أوضاعنا المعيشية، ولو بنسبة بسيطة، في ظل الارتفاع الغريب الذي نجده في الأسواق والمحال الغذائية والصيدليات».
أما سميرة الجراي -متقاعدة- من طرابلس، فتضع يدها على الجانب الإنساني للأزمة، موضحة:
«القرار أراه جيداً، خصوصاً في هذا التوقيت الذي يشهد تغوَّلاً مخيفاً من قِبل التجار، وارتفاعاً للأسعار في كل ما يتعلق بالسلع الغذائية والأدوية وحتى مواد البناء. وإن كانت القيمة بسيطة ولا تكفي لتلبية احتياجات الأسرة، وتجعل الأب والأم في مواقف صعبة ومحرجة جداً أمام أطفالهم الذين لا يدركون حجم المعاناة وصعوبة المعيشة، فإنني أتمنى أن تنظر الحكومة للوضع المعيشي للأسرة الليبية باستمرار، وليس في المناسبات فقط.
مسكنات مؤقتة و «ذرًا للرماد»
على النقيض تماماً، يرتفع صوت الغضب والشك. مبروكة البخبخي، المتقاعدة من يفرن، ترفض بشدة ما تصفه بالقرار الارتجالي، وتقول بمرارة: «في الوقت الذي ننتظر فيه معالجة قانونية سليمة ودائمة لما نعانيه كمتقاعدين من ضنك العيش بسبب المرتبات الضمانية الهزيلة، يصدر قرار ارتجالي مهزوز يتصدق علينا بقيمة لا قيمة لها، وغير مضمونة الاستمرارية. فما الفرق بين مرتبي البالغ 900 دينار أو 1400 دينار، طالما أن القرار ارتجالي، ظاهره رحمة وباطنه مكاسب شخصية؟ أرجو منهم ترك صندوق الضمان الاجتماعي في حاله، فهذا أفضل بكثير من العبث الواقع حالياً».
المعلم المتقاعد مفتاح ضو يتفق مع هذا الطرح، معتبراً القرار افتقاراً للسند القانوني المتين، ويضيف:
«أي قرار فيه زيادة مالية يراه المواطن مفيداً ويفرح به، ولكن مثل هذه القرارات الارتجالية لا تستند إلى إجراءات ومواد قانونية، مما يجعلها قابلة للفشل، وأعتبرها ذراً للرماد في العيون. فالقرار الأول المتعلق بالمتقاعدين هو القانون الذي سنّه البرلمان، ويقضي بمنح المتقاعد مرتبه الذي كان يتقاضاه بدرجته المالية قبل التقاعد، أما هذه المنحة فهي مجرد مساعدة مرتبطة باستقبال عيد الأضحى المبارك».
من جهته، يسلط حسين المرادي من الخمس الضوء على فجوة العدالة في القرار، قائلاً:
«القرار فيه ظلم وجور على جُلّ فئة المتقاعدين ومَن يتقاضون المعاشات الضمانية والعسكرية. هناك من يتقاضى 2000 دينار وهناك من يتقاضى 3500 دينار، وكلاهما غير قادر على توفير احتياجاته من الأكل الصحي والعلاج في ظل غلاء الأسعار.
لهذا أقول إنه قرار مجحف بحق شريحة كبيرة من المجتمع، مما يستوجب وضع خطة وآلية عادلة للجميع دون استثناء، فالتسوية مطلوبة وفيها عدل وإنصاف».
مخاوف مؤسسية: هل نأكل من رصيد المستقبل؟
تتجاوز الانتقادات حدود الميزانية الشخصية للمتقاعدين لتلامس صلب الأمن القومي الاقتصادي. عبد الهادي النايلي متقاعد من طرابلس يفكك نص القرار بعين فاحصة، موضحاً:
«المادة الأولى لم تراعِ نسبة الغلاء المضطربة وغير المستقرة، كما لم تراعِ عدد أفراد الأسرة؛ فلا يتساوى من يعول خمسة أفراد بمن يعول اثنين. المبالغ الفائضة لا تُصرف كهبات أو إعانات، فهذه أموال خاصة بصندوق الضمان الاجتماعي، وله حق استثمارها حتى لا يقع تحت طائلة العجز نتيجة قرارات غير مدروسة».
هذا التوجس يتبناه محمد متيطا، نقيب المتقاعدين ببلدية درج، الذي يرى أن:
«القرار غير مُرضٍ للجميع بشكل عام، ولكنه أحسن من لا شيء، وأرجو ألّا يكون القرار الأخير. لقد وقع ظلم كبير على هذه الشريحة التي أفنت سنوات طويلة من عمرها في بناء المجتمع والدولة، وإذا كان هذا القرار مجرد منحة مؤقتة لشهور معدودة فهو استخفاف بالمتقاعدين، ودس للسم في العسل. من الضروري جداً أن يتابع النقيب العام الأمر ويوضح لنا كل التفاصيل».
رأي الخبراء: اقتصاد شعبوي أم سياسة مالية؟
للقراءة الاقتصادية المتخصصة كلمتها الفصل، الخبير المالي الدكتور مراجع غيث يضع القرار تحت مجهر النقد اللاذع، قائلاً:
«من حيث المبدأ، يُعد هذا القرار نوعاً من أنواع الحماية الاجتماعية، ولكن غالباً ما تكون مثل هذه القرارات مقننة ومحددة المبالغ، وليست عشوائية وفورية كما نرى؛ فهذه خطط تُوضع ثم تُنفذ».
«ثم حسب ما سمعتُ تم اقرار الميزانية، وهذا يعني لن تستطيع صرف أو دفع أي مبلغ ما لم يتم اعتماده في الميزانية العامة للدولة، وإن حدث فذلك يعتبر ذلك مخالفة وفق القانون المالي للدولة، كذلك اذا تم الاقرار لبند بمبلغ معين لا يمكن تجاوزه إلا بإجراءات مناقلة، واقرار مبالغ كما في هذا القرار يتطلب اقرار ميزانية إضافية كما تم اقرار الميزانية الاولى التي اتحفظ بالحديث عنها وتسميتها ميزانية.»
«إذا نظرنا إلى الدولة اليوم، فهي غير قادرة على دفع علاوة ومنحة الاطفال والزوجة في موعدها الشهري، والتي لا تصرف إلا شهرين بعد 6 أشهر، فمن أين يمكن لصاحب القرار القدرة المالية لدفع ما جاء في قراره.»
ويُشخص د.غيث الأزمة محذراً من المساس بالصندوق السيادي: «بالنسبة لصندوق الضمان، لا يمكن إجباره على الدفع لأنه لم يُقرر ولم يتم التشاور معه، وليس من حقه أن يكون ملزماً بتنفيذه. هذا الصندوق للمتقاعدين ومن حقهم، ومن واجب الدولة مساندته من الميزانية العامة وليس إجباره على الدفع بضغوطات معينة. بصريح العبارة، صندوق الضمان لا يمكن التلاعب به وإدخاله في المناكفات والضغوط السياسية».
ويختم الخبير المالي تشخيصه واضعًا يده على الجرح: الدولة ليستْ في وضع يمكنها من دفع هذه المبالغ، مع اعترافنا بأن النَّاس تستحق أكثر من ذلك، ولكن بترتيبات معينة وليس بهذه الكيفية العشوائية التي تُصرف بها تكاليف الحج وصندوق الزواج وغيرها من القرارات الشعبوية التي تهدف إلى كسب تأييد شعبي.
الحكومة الطبيعية عادة تكون في خلاف دائم مع الشعب لأن لديها نظرة شمولية وتتخذ قرارات قد لا تعجب العامة. ومن المفترض أن تهتم وزارة المالية بسياسة مالية حقيقية تحقق الهدف من وجودها.



