قانوني

“الحكمُ المجتمعيّ يحوز الحجيّة ويسبق تطبيق العدالة النَّاجزة”..!

احمد محمد بورقيقة. محاضر بكلية القانون جامعة طرابلس

تداولت واقعة ابتزاز استاذ جامعي لطالبات موجة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي والمنسوبة إلى أستاذ بجامعة طرابلس وأثارت جدلاً واسعاً بين الطلاب والنقابات والأوساط الأكاديمية والاجتماعية؛ إلَّا أن ما استوقفني في هذه الواقعة ليس الجانب القانوني بقدر ما هو البُعد المجتمعي الذي كشفت عنه الواقعة!.
منذُ فترة من الزمن والقانون الجنائي يتسم بالبدائية معتمداً على الوسائل التقليدية في إثبات الجرائم واكتشاف مرتكبيها، معتمداً المحقق الجنائي في توافر الركنين المادي والمعنوي للجريمة تماشياً مع صور السلوك الإجرامي الذي يتسم بالوضوح، حيث كان يكفى لإثبات الجرائم ونسبتها لفاعليها وسائل الإثبات التي تعتمد على الإدراك الحسيّ كالاعتراف وشهادة الشهود إلٓخ، ثم أخذت أساليب ارتكاب الجريمة في التطور مع الزمن حيث أصبح اكتشاف الجناة أمراً عسيراً.

فكان من المشرع الجنائي أنْ يعيد النظر في وسائل البحث عن الجريمة وطرق إثباتها ومع تزايد الأبحاث العلمية والدراسات أصبح هناك العديد من وسائل الإثبات الجديدة على سبيل المثال:
البصمة الوراثية كدليلاً علمياً قوياً للتعرف على الجناة أو تبرئة الأبرياء؛ إلاَّ أن حجيتها في المجال الجنائي مِنْ حيث الإثبات تخضع لتقدير القاضي وفق ضوابط واجراءات قانونية صارمة.
كما أنّها من صنع البشر ويعتريها احتمالية الخطأ كتلوث العينات في مسرح الجريمة والقاعدة تقول ما تطرق إليه الاحتمال فسد به الاستدلال، ولما كان الأمر بهذه الصورة كان لزاماً أنْ تخضع هذه الواقعة التي اعتراها الحُكم المجتمعي في ليبيا بهذه الصورة داخل إحدى أكبر مؤسساتنا التعليمية إلى فهم الواقع والقانون، مِمَّا يثير اشكالية موت العدالة بطريقين:-

الطريقة الأولى إمَّا أنْ ننجر وراء صفحات التواصل الاجتماعي (السوشيل ميديا) والنطق بالحكمِ المجتمعي على المعنىّ مما يؤثر سلباً على مصدر القرار وتقوم جهة الإدارة (رئاسة الجامعة) بإعفاء المعني من مهامه، وهُنا تكون الأخيرة قد جانبت الصواب في تطبيق القانون وإمكانية الطعن ضد قرارها أمام دوائر القضاء الإداري بمحاكم الاستئناف لعيب من عيوب عدم المشروعية كعيب مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه باعتبار أنَّ المعني لم يقدم ضده شكوى رسمية أمام جهة الإدارة كي تحيله إلى التحقيق من ثَمَ التأديب إلخ…
الطريقة الثانية:
وهو مالا يحمدُ عقباه أنْ نفتح المجال أمام كل من أدعى أنَّ له مظلمة على الصفحات التواصل وكان له نصيب من المشاركات الواسعة على الصفحات التوصل بتوجيه أصابع الاتهام وأخذ الناس بالريب والشكوك دون اللجوء إلى الجهات الرسمية والضبطية، فبدل أن نصبح أمام جريمة ابتزاز يستعمل فيها الجاني وسائل لتهديد شخص بهدف الحصول على منافع غير مشروعة نكون أمام جريمة ابتزاز مجتمعية تموت فيها العدالة وتضمحل إنْ صح التعبير.

ختاماً أنَّ الحكمَ المجتمعي (الترند) ليس حكماً قضائياً ولم يصدر من هيئة المحكمة ولا يحوز الحجية ويضرب العدالة في مقتل، فالواقعة التي نحن في صددها هي مسألة قانونية يظل الفصل فيها رهيناً بما تنتهى إليه التحقيقات الرسمية وفق القانون إنْ وجدت الشكوى، فالرسالة أعمق من الجريمة ذاتها؛ إنَّما في كيفية تعامل المجتمع معها وما يمكن أن تعكسه من دلالات تتعلق بسلوكيات مخرجات التعليم والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى