صحة

الرباط ترسم ملامح مستقبل خالٍ من الدخان… خبراء دوليون يدعون إلى تسريع تبني البدائل الأقل ضرراً في مواجهة وباء التدخين

ربيعة حباس

الرباط – تقرير خاص
في وقتٍ لا يزال فيه التدخين التقليدي أحد أكبر التحديات الصحية التي تواجه العالم، احتضنت العاصمة المغربية الرباط في شهر يونيو 2026 ، واحدة من أبرز الندوات الإقليمية المتخصصة التي ناقشت مستقبل مكافحة التدخين، وسط مشاركة واسعة من خبراء الصحة العامة، والأطباء، والباحثين، وصنّاع السياسات من أوروبا وإفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط.
وعلى مدى يومين، تحولت الرباط إلى منصة للحوار العلمي خلال أعمال ندوة “تكنوفيشن 2026″، التي ناقشت أحدث ما توصل إليه العلم في مجال الحد من أضرار التدخين، واستعرضت التجارب الدولية في تطوير السياسات الصحية المرتبطة بالنيكوتين، إلى جانب التقدم المتسارع في الابتكارات العلمية والتكنولوجية التي تستهدف تقليل المخاطر الصحية الناجمة عن استمرار تدخين السجائر التقليدية.
ولم تقتصر أهمية الندوة على استعراض نتائج الدراسات والأبحاث الحديثة، بل فتحت نقاشاً واسعاً حول مستقبل السياسات الصحية، وكيفية المواءمة بين هدف حماية الصحة العامة، والاعتراف بالحقائق العلمية التي تشير إلى وجود فئات واسعة من المدخنين البالغين الذين يعجزون عن الإقلاع عن التدخين رغم تكرار محاولاتهم، الأمر الذي يفرض البحث عن حلول أكثر واقعية تستند إلى الأدلة العلمية.
واكتسبت الندوة زخماً علمياً خاصاً بمشاركة نخبة من أبرز الخبراء الدوليين، والأكاديميين والأطباء المتخصصين في مجالات الصحة العامة، وعلم السموم، وأبحاث النيكوتين، يتقدمهم البروفيسور دافيد خياط، أستاذ علم الأورام في جامعة بيير وماري كوري (فرنسا) ، إلى جانب البروفيسور محمد بن خيال أستاذ جراحة الصدر والأوعية الدموية (ليبيا) ، والبروفيسور أمان الله المسعدي أستاذ الإنعاش الطبي (تونس) ، والدكتورة إيمان كنديلي، أستاذة الطب النفسي وأخصائية الإدمان (المغرب) ، والدكتور سامبا كور سار ( السنغال ) ، الذين ناقشوا أحدث ما توصل إليه العلم في مجالات مكافحة التدخين والحد من أضراره والصحة العامة. وادار الجلسات كل من خديجة إحسان صحفية ” المغرب ” و سميد غيلان، صحفي (المغرب) .
كما شهدت الندوة مشاركة شركة فيليب موريس إنترناشيونال بوفد ضم توماس دي جيوفاني، نائب الرئيس للتواصل والمشاركة، وطيلان سوير، المدير العام لمنطقة المغرب العربي، وتوموكو إيدا مديرة المشاركة العلمية لمناطق SSEA وCIS وMEA، (الإمارات العربية المتحدة) ، حيث استعرضوا رؤية الشركة للتحول نحو مستقبل خالٍ من الدخان، والجهود المبذولة في مجال البحث والتطوير والاستثمار في البدائل التي لا تعتمد على احتراق التبغ، مؤكدين أن الابتكار العلمي يمثل أحد أهم المسارات لتقليل المخاطر المرتبطة بالتدخين التقليدي بالنسبة للمدخنين البالغين الذين لا يقلعون عن التدخين.
واتفقت غالبية المداخلات منذ الجلسة الافتتاحية على أن السياسات التقليدية لمكافحة التدخين حققت تقدماً مهماً خلال العقود الماضية، غير أن استمرار وجود مئات الملايين من المدخنين حول العالم يفرض إعادة تقييم أدوات المواجهة، والاستفادة من التطور العلمي الذي شهدته السنوات الأخيرة، بما يتيح اعتماد استراتيجيات أكثر شمولاً ومرونة، دون التخلي عن الهدف الأساسي المتمثل في الحد من الأمراض والوفيات المرتبطة بالتدخين.
وفي هذا السياق، برزت الندوة بوصفها منصة علمية ، لتبادل أحدث ما توصلت إليه الأبحاث المتعلقة بالوقاية من التدخين، وسبل الإقلاع عنه، وإمكانات المنتجات البديلة الخالية من الدخان في تقليل المخاطر الصحية بالنسبة للمدخنين البالغين الذين لا يقلعون عن التدخين.
وشهدت الجلسات نقاشات معمقة تناولت التحولات التي يشهدها قطاع الصحة العامة مع التطور المتسارع في العلوم والتكنولوجيا، حيث أكد المتحدثون أن الابتكار أصبح عنصراً رئيسياً في مواجهة واحدة من أكثر القضايا الصحية تعقيداً على مستوى العالم، مشددين على أن نجاح أي سياسة صحية يتطلب الاستناد إلى الأدلة العلمية الموثقة، ومواكبة التطورات البحثية بعيداً عن الأحكام المسبقة أو المواقف غير المستندة إلى البيانات.
وفي هذا الإطار، استعرض عدد من الخبراء نتائج دراسات علمية تناولت المنتجات الخالية من الدخان، موضحين أن هذه المنتجات لا تخلو من المخاطر، لكنها قد تمثل خياراً أقل ضرراً مقارنة بالاستمرار في تدخين السجائر التقليدية بالنسبة للمدخنين البالغين الذين يعجزون عن الإقلاع بشكل كامل، وهو ما يستدعي – بحسب المتحدثين – اعتماد نهج يقوم على مبدأ الحد من الأضرار، إلى جانب مواصلة تشجيع الإقلاع الكامل باعتباره الخيار الأفضل صحياً.
كما ناقشت الندوة التجارب التي طبقتها عدة دول في دمج مفهوم الحد من الأضرار ضمن سياساتها الصحية، حيث عرض المشاركون نماذج مختلفة للتعامل مع هذه القضية، مؤكدين أن نجاح أي تجربة يرتبط بوجود إطار تنظيمي واضح، ورقابة فعالة، وإتاحة معلومات دقيقة للمستهلكين، بما يضمن حماية الصحة العامة ومنع وصول هذه المنتجات إلى غير المدخنين أو الفئات العمرية الصغيرة.
ومن بين أبرز المتحدثين، قدم توماس دي جيوفاني رؤية شركة فيليب موريس بشأن مستقبل خالٍ من الدخان، مؤكداً أن الابتكار العلمي والتكنولوجيا يمثلان ركيزة أساسية في تطوير بدائل يمكن أن تسهم في تقليل التعرض للمواد الضارة الناتجة عن احتراق التبغ، مشدداً في الوقت نفسه على أن هذه المنتجات موجهة حصراً للمدخنين البالغين الذين سيواصلون التدخين، وليست مخصصة لغير المدخنين أو لمن هم دون السن القانونية.
من جانبه، استعرض طيلان سوير، واقع أسواق المنطقة والتحديات التي تواجه تطبيق السياسات الحديثة في مجال مكافحة التدخين، مؤكداً أهمية تعزيز الحوار بين الحكومات والجهات التنظيمية والقطاع الخاص والمجتمع العلمي، بما يضمن الاستفادة من أحدث الابتكارات العلمية ضمن أطر تنظيمية مسؤولة تراعي خصوصية كل دولة واحتياجاتها الصحية.
وتحدثت توموكو إيدا، في بداية حوار حول فهم النيكوتين ، لتؤكد ان النيكوتين ليس السبب الرئيسي للأمراض المرتبطة بالتدخين بل السبب هو الاحتراق. موضحة ان النيكوتين يسبّب الإدمان وليس خالياً من المخاطر، لكنه ليس السبب الأول للأمراض المرتبطة بالتبغ.
واشارت الى ان العديد من مؤسسات الصحة العامة، مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أو سلطات الصحة العامة البريطانية، تعترف بالفعل بأن النيكوتين ليس مسؤولاً عن الأمراض المرتبطة بالتدخين وأنه بالتأكيد لا يسبّب السرطان. لتصل بعد شرح معمق الى ان النيكتوين هو عنصر أساسي في الحل بدلاً من أن يكون مشكلة.
وأوضحت تومكو إبدا الى ان سنوات من البحث أظهرت أن الاحتراق هو ما يولّد الجزء الأكبر من المواد الضارة. ولهذا فإن البدائل الأقل ضرراً من السيجارة تقوم على إلغاء الاحتراق: وتُسمى منتجات «خالية من الدخان».
وقدم البروفيسور دافيد خياط، ، بما يمثله من ثقل علمي دولي رؤية علمية تناولت العلاقة بين التدخين والأمراض السرطانية، وأكد أهمية الاستناد إلى نتائج البحوث الحديثة في صياغة سياسات الصحة العامة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، مع إبقاء حماية صحة الإنسان الهدف الأول لكل السياسات الصحية.
كما شارك البروفيسور محمد بن خيال ، الذي عرض من منظور الطب والجراحة واقع الأمراض المرتبطة بالتدخين، مسلطاً الضوء على الأعباء التي تتحملها الأنظمة الصحية نتيجة استمرار ارتفاع معدلات التدخين، ومؤكداً أهمية الوقاية والتشخيص المبكر وتطوير الخيارات العلاجية القائمة على الدليل العلمي.
ومن جانبه، تناول البروفيسور أمان الله المسعدي ، بخبرته في طب الإنعاش والحروق، التأثيرات السريرية للتدخين على المرضى، وانعكاساته على معدلات التعافي والمضاعفات الطبية، مشدداً على أن الحد من الأمراض المرتبطة بالتدخين يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الوقاية والعلاج والابتكار.
أما الدكتورة إيمان كنديلي ، فقد ركزت على البعد النفسي والسلوكي للإدمان على النيكوتين، موضحة أن التعامل مع التدخين لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب العضوية فقط، بل يجب أن يشمل الدعم النفسي، وبرامج العلاج السلوكي، ومرافقة المدخنين الراغبين في الإقلاع، باعتبار الإدمان حالة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية.
وفي السياق الإفريقي، قدم الدكتور سامبا كور سار من السنغال رؤية تنطلق من واقع الصحة العامة في القارة، متناولاً التحديات التي تواجه الدول الإفريقية في مكافحة التدخين، في ظل محدودية الموارد وتفاوت إمكانات أنظمة الرعاية الصحية، مؤكداً أن نجاح السياسات المستقبلية يتطلب حلولاً تراعي الخصوصيات المحلية، وتستند إلى التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات والاستفادة من التقدم العلمي.
واعتبر عدد من المشاركين أن منطقة المغرب العربي، والقارة الإفريقية عموماً، تمتلك فرصة للاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، خصوصاً في ظل الارتفاع المستمر في أعداد المدخنين في بعض الدول، وما يترتب على ذلك من أعباء صحية واقتصادية متزايدة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الوقاية، والتوعية، والابتكار، أحد المسارات الواعدة لتعزيز الصحة العامة وتحسين جودة الحياة.

العلم أولاً… رسائل الخبراء والأطباء

إذا كانت الجلسات الافتتاحية قد رسمت الإطار العام للنقاش، فإن جلسات الخبراء والأطباء منحت الندوة بعدها العلمي، حيث انصبت المداخلات على استعراض أحدث نتائج الأبحاث المتعلقة بالتدخين، وأمراضه، وإمكانات الابتكار في الحد من مخاطره، مع التأكيد المتكرر على أن الإقلاع الكامل عن التدخين يظل الخيار الأمثل من الناحية الصحية.
واتفق المتحدثون على أن ملايين الأشخاص حول العالم لا يزالون يدخنون رغم عقود من حملات التوعية والإجراءات التنظيمية، وهو ما يفرض – من منظور الصحة العامة – التعامل مع الواقع كما هو، والبحث عن حلول عملية تستند إلى الأدلة العلمية، وتستهدف تقليل العبء الصحي الناجم عن استمرار التدخين.
وأكد عدد من الأطباء أن الخطر الأكبر المرتبط بالسجائر التقليدية يكمن في عملية احتراق التبغ، التي تؤدي إلى انبعاث آلاف المركبات الكيميائية، من بينها مئات المواد السامة والعشرات من المواد المصنفة كمسببات للسرطان. ومن هذا المنطلق، ركزت العديد من الأبحاث التي نوقشت خلال الندوة على تقييم التقنيات التي تستغني عن عملية الاحتراق، ومدى قدرتها على خفض التعرض لهذه المواد مقارنة بالسجائر التقليدية.
وشدد الخبراء على ضرورة التمييز بين مفهوم خفض المخاطر ومفهوم انعدام المخاطر، موضحين أن أي منتج يحتوي على النيكوتين ليس خالياً من المخاطر، غير أن تقييمه يجب أن يستند إلى المقارنة العلمية مع الاستمرار في تدخين السجائر التقليدية، وليس إلى افتراض الكمال أو السلامة المطلقة.
كما تناولت الجلسات أهمية استقلالية البحث العلمي، والدور الذي تؤديه الدراسات السريرية والبحوث طويلة الأمد في تقييم المنتجات الجديدة، حيث أكد المشاركون أن السياسات الصحية الرشيدة ينبغي أن تُبنى على الأدلة المتراكمة والقابلة للتحقق، مع استمرار تحديثها كلما ظهرت معطيات علمية جديدة.
وفي مداخلاتهم، استعرض عدد من الباحثين نتائج دراسات أُجريت في دول مختلفة من بينها اليابان والسويد ، أظهرت أن التحول الكامل من السجائر التقليدية إلى بدائل خالية من الدخان قد يؤدي إلى خفض مستوى التعرض لعدد من المواد الضارة المرتبطة بعملية الاحتراق لدى المدخنين البالغين الذين لا يقلعون عن التدخين.
وفي أكثر من جلسة، طُرحت قضية التنظيم والتشريعات بوصفها عاملاً حاسماً في نجاح أي سياسة للحد من أضرار التدخين. ورأى المشاركون أن التشريعات ينبغي أن توازن بين حماية الصحة العامة، وضمان وصول المعلومات العلمية الدقيقة، ومنع الاستخدام من قبل القُصَّر وغير المدخنين، مع إخضاع جميع المنتجات لمعايير رقابية صارمة.
كما شهدت الندوة نقاشاً حول خصوصية الدول النامية، حيث أشار عدد من الخبراء إلى أن التحديات التي تواجه أنظمة الرعاية الصحية في إفريقيا والمغرب العربي تختلف عن تلك الموجودة في الدول الصناعية، وهو ما يجعل الحاجة أكبر إلى سياسات واقعية تراعي الإمكانات المتاحة، وتجمع بين الوقاية، والتوعية، والعلاج، ودعم برامج الإقلاع عن التدخين، والاستفادة من التطورات العلمية حيثما أثبتت فعاليتها.
ولم تغفل المداخلات التأكيد على أن نجاح أي استراتيجية صحية لا يقاس بطرح منتجات أو تقنيات جديدة فحسب، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في خفض معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتدخين، وتقليل الوفيات، وتحسين مؤشرات الصحة العامة على المدى الطويل، وهو ما يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومات، والمؤسسات الصحية، والجامعات، ومراكز البحوث، والجهات التنظيمية.
وخرجت جلسات الندوة بمجموعة من الرسائل العلمية الأساسية، في مقدمتها أن مكافحة التدخين لم تعد تقتصر على أدوات المنع والتوعية التقليدية، بل أصبحت تستفيد من التقدم العلمي والتكنولوجي، وأن القرارات المتعلقة بالصحة العامة يجب أن تبقى رهينة الدليل العلمي، وأن الابتكار لا يمثل بديلاً عن الوقاية والإقلاع، بل يمكن أن يشكل، ضمن ضوابط تنظيمية واضحة، أحد المسارات التي تسهم في تقليل الأضرار الصحية المرتبطة باستمرار التدخين لدى البالغين الذين لا يستطيعون الإقلاع.

المغرب العربي وإفريقيا… من التحديات إلى فرص الابتكار

لم تكن مناقشات “تكنوفيشن 2026” مجرد استعراض لنتائج أبحاث أو تجارب دولية، بل سعت إلى الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل هذا التقدم العلمي إلى سياسات صحية قابلة للتطبيق في مناطق تواجه تحديات اقتصادية وصحية معقدة، وفي مقدمتها المغرب العربي والقارة الإفريقية؟
ورأى المشاركون أن هذه المنطقة تقف اليوم أمام فرصة لإعادة صياغة سياسات مكافحة التدخين بما ينسجم مع معطيات العصر، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أعداد المدخنين في عدد من الدول، وما يرافق ذلك من زيادة في معدلات الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها أمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الجهاز التنفسي، والسرطان.
وأكد عدد من المتحدثين أن نجاح أي استراتيجية لا يمكن أن يقوم على استنساخ تجارب دول أخرى، بل يجب أن ينطلق من خصوصية كل دولة، ومستوى جاهزية منظومتها الصحية، وطبيعة تشريعاتها، ومدى قدرتها على تنفيذ برامج فعالة للوقاية والإقلاع والعلاج، إلى جانب توفير معلومات علمية دقيقة تساعد المدخنين البالغين على اتخاذ قرارات واعية.
وفي هذا السياق، حظيت التجارب التي قدمتها بعض الدول باهتمام كبير، لا باعتبارها نماذج جاهزة للتطبيق، وإنما بوصفها خبرات يمكن الاستفادة منها عند تطوير سياسات وطنية تراعي الخصوصيات المحلية. وأجمع المشاركون على أن نجاح تلك التجارب ارتبط بتكامل عناصر عدة، من بينها البحث العلمي، والتشريعات المرنة، والرقابة الفعالة، والتقييم المستمر للنتائج.
كما أولت الندوة اهتماماً خاصاً بالدور الذي يمكن أن تضطلع به الجامعات ومراكز البحوث في المنطقة، من خلال توسيع الدراسات المتعلقة بأنماط التدخين، وتقييم السياسات الصحية، وإنتاج بيانات محلية تساعد صناع القرار على بناء استراتيجيات تستند إلى الواقع، بدلاً من الاعتماد الكامل على نتائج أبحاث أجريت في بيئات مختلفة.
ولم يغب عن النقاش البعد الاقتصادي، إذ أشار المتحدثون إلى أن الأمراض المرتبطة بالتدخين تستنزف جزءاً مهماً من ميزانيات الرعاية الصحية، وتؤثر في الإنتاجية وسوق العمل والتنمية المستدامة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الوقاية، وبرامج الإقلاع، والتثقيف الصحي، والبحث العلمي، خياراً تنموياً إلى جانب كونه خياراً صحياً.
ومن بين الرسائل التي تكررت خلال جلسات الندوة، أن الحوار بين الحكومات والهيئات التنظيمية والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص يجب أن يقوم على الشفافية واحترام الأدلة العلمية، بما يتيح الوصول إلى سياسات متوازنة تضع صحة الإنسان في المقام الأول، وتخضع جميع الحلول المطروحة للتقييم العلمي والرقابي المستمر.
ولعل أهم ما ميز “تكنوفيشن 2026” أنه لم يقدم وصفات جاهزة، بل دعا إلى تبني ثقافة علمية جديدة في التعامل مع قضية التدخين، تقوم على مراجعة السياسات بصورة دورية، والاستفادة من التطورات العلمية دون التخلي عن المبادئ الأساسية للصحة العامة، وفي مقدمتها الوقاية، والإقلاع عن التدخين، وحماية الأجيال الجديدة من الوقوع في دائرة الإدمان.

الخاتمة… نحو مستقبل تُوجِّهه الأدلة العلمية

في ختام أعمال “تكنوفيشن 2026″، لم يكن الهدف الوصول إلى إجماع مطلق حول كل القضايا التي طُرحت، بقدر ما كان السعي إلى ترسيخ قناعة مشتركة بأن مواجهة التدخين لم تعد تحتمل الاكتفاء بالأدوات التقليدية وحدها، وأن التطور العلمي يفرض على الجميع ــ حكومات، ومؤسسات صحية، وباحثين، وصناع سياسات ــ مواصلة مراجعة الاستراتيجيات القائمة في ضوء ما يستجد من أدلة ومعطيات.
وقد عكست المناقشات التي احتضنتها الرباط اتجاهاً متنامياً داخل الأوساط العلمية الدولية يدعو إلى أن تكون السياسات الصحية أكثر قدرة على التكيف مع نتائج البحث العلمي، وأن تستند القرارات التنظيمية إلى تقييم موضوعي للأدلة، مع الحفاظ على الهدف الذي لا خلاف عليه، وهو خفض معدلات التدخين وتقليل الأمراض والوفيات المرتبطة به.
وفي الوقت نفسه، أكدت الندوة أن الإقلاع الكامل عن التدخين يظل الخيار الأفضل صحياً، وأن برامج الوقاية والتوعية ومنع بدء التدخين، ولا سيما بين الشباب، ينبغي أن تبقى في صدارة أولويات السياسات الصحية. أما الابتكار والبدائل الخالية من الدخان، فقد طُرحت خلال الندوة باعتبارها أحد الموضوعات التي يواصل العلم تقييمها بالنسبة للمدخنين البالغين الذين لا يقلعون عن التدخين، ضمن أطر تنظيمية ورقابية واضحة.
وبالنسبة لدول المغرب العربي وإفريقيا، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت بها الندوة تتمثل في أن المنطقة تمتلك فرصة للاستفادة من الخبرات الدولية، مع تطوير حلول تنطلق من واقعها الصحي والاقتصادي والاجتماعي، وتستند إلى بياناتها المحلية، بما يضمن سياسات أكثر فاعلية واستدامة في الحد من العبء الذي يفرضه التدخين على الأفراد وأنظمة الرعاية الصحية.
لقد أكدت “تكنوفيشن 2026” أن الابتكار لا يقتصر على تطوير التقنيات والمنتجات، بل يشمل أيضاً تحديث أساليب التفكير وصنع القرار، وتعزيز التعاون بين الباحثين والأطباء والهيئات التنظيمية وصناع السياسات. وفي قضايا تمس صحة ملايين البشر، يبقى الحوار العلمي المفتوح، والاحتكام إلى الأدلة، وتبادل الخبرات، الركائز الأساسية لأي تقدم حقيقي.
وهكذا، أسدل الستار على أعمال الندوة، لكن الأسئلة التي أثارتها ستظل حاضرة في الأوساط العلمية والصحية خلال السنوات المقبلة. فمستقبل مكافحة التدخين لن يُرسم بالشعارات أو بالمواقف المسبقة، وإنما بما تثبته البحوث، وما تؤكده الأدلة، وما تنجح المجتمعات في ترجمته إلى سياسات متوازنة تضع صحة الإنسان فوق كل اعتبار.
وفي النهاية، بدا واضحاً أن الرسالة الأهم التي حملتها الرباط إلى المشاركين القادمين من مختلف القارات هي أن مستقبل الصحة العامة لا يُبنى بالمواجهة بين الأفكار، بل بالحوار العلمي الرصين، ولا يُقاس بمدى التمسك بالحلول التقليدية أو الانبهار بالجديد، وإنما بقدرة الجميع على توظيف المعرفة والابتكار والأدلة العلمية من أجل هدف واحد: إنقاذ الأرواح، وتحسين جودة الحياة، وبناء مستقبل أكثر صحة للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى