
خبراء من ليبيا والمغرب وتونس وفرنسا والسنغال يناقشون في الرباط التحول نحو استراتيجيات أكثر واقعية للحد من أضرار التدخين وسط دعوات إلى تبني سياسات تستند إلى الأدلة العلمية والتطورات التكنولوجية
لم يعد النقاش حول التدخين يقتصر على الدعوات التقليدية للإقلاع عنه، بل بات يتجه بصورة متسارعة نحو سؤال أكثر تعقيدًا وواقعية: كيف يمكن تقليل الأضرار الصحية بين ملايين المدخنين الذين لا ينجحون في الإقلاع عن التدخين رغم حملات التوعية والعلاجات المتاحة؟
هذا السؤال كان محور نقاش علمي واسع خلال أعمال ندوة “تكنوفيشن 2026” التي احتضنتها العاصمة المغربية الرباط على مدى يومين، بمشاركة نخبة من أبرز الخبراء الدوليين، والأكاديميين والأطباء المتخصصين في مجالات الصحة العامة، وعلم السموم، وأبحاث النيكوتين، يتقدمهم البروفيسور دافيد خياط، أستاذ علم الأورام في جامعة بيير وماري كوري (فرنسا) ، إلى جانب البروفيسور محمد بن خيال أستاذ جراحة الصدر والأوعية الدموية (ليبيا) ، والبروفيسور أمان الله المسعدي أستاذ الإنعاش الطبي (تونس) ، والدكتورة إيمان كنديلي، أستاذة الطب النفسي وأخصائية الإدمان (المغرب) ، والدكتور سامبا كور سار ( السنغال ) ، الذين ناقشوا أحدث ما توصل إليه العلم في مجالات مكافحة التدخين والحد من أضراره والصحة العامة.
كما شهدت الندوة مشاركة شركة فيليب موريس إنترناشيونال بوفد ضم توماس دي جيوفاني، نائب الرئيس للتواصل والمشاركة، وطيلان سوير، المدير العام لمنطقة المغرب العربي، وتوموكو إيدا مديرة المشاركة العلمية لمناطق SSEA وCIS وMEA، (الإمارات العربية المتحدة) ، حيث استعرضوا رؤية الشركة للتحول نحو مستقبل خالٍ من الدخان، والجهود المبذولة في مجال البحث والتطوير والاستثمار في البدائل التي لا تعتمد على احتراق التبغ.
الندوة لم تكتفِ باستعراض الإحصاءات المقلقة المتعلقة بانتشار التدخين في دول المغرب العربي والقارة الأفريقية، بل سعت إلى إعادة صياغة النقاش من زاوية مختلفة، تنطلق من حقيقة أن استمرار الاعتماد على السياسات التقليدية وحدها لم يحقق النتائج المرجوة في خفض معدلات التدخين، الأمر الذي يستدعي البحث عن مقاربات أكثر شمولًا تستفيد من التطورات العلمية والتكنولوجية التي يشهدها هذا المجال.
وعلى امتداد جلسات الندوة، برز اتفاق واسع بين المشاركين على أن مستقبل مكافحة التدخين لن يعتمد فقط على تشديد القوانين أو حملات التوعية، وإنما على بناء سياسات صحية متكاملة تقوم على الأدلة العلمية، وتراعي اختلاف أوضاع المدخنين واحتياجات الأنظمة الصحية، مع تقييم مستمر للتقنيات والمنتجات الجديدة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة باعتبارها جزءًا من النقاش العلمي الدائر عالميًا حول الحد من أضرار التدخين.
ومن هذا المنطلق، تحولت جلسات الرباط إلى منصة حوار إقليمي ناقشت مستقبل سياسات الصحة العامة في المنطقة، وكيف يمكن لدول المغرب العربي وأفريقيا الاستفادة من التجارب الدولية، في ظل الارتفاع المستمر في أعداد المدخنين، والضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأنظمة الصحية، والحاجة إلى حلول عملية تستند إلى العلم أكثر من اعتمادها على الشعارات.
من الدعوة إلى الإقلاع… إلى البحث عن حلول أكثر واقعية
رغم اختلاف تخصصات المتحدثين وخلفياتهم العلمية، فإن جلسات اليوم الأول من ندوة الرباط انتهت إلى قناعة مشتركة مفادها أن السياسات التقليدية لمكافحة التدخين، على أهميتها، لم تعد وحدها كافية لمواجهة واحدة من أكثر المشكلات الصحية تعقيدًا في العالم.
ففي الوقت الذي نجحت فيه حملات التوعية، ورفع الضرائب، وتشديد القيود على الإعلان والتدخين في الأماكن العامة في خفض معدلات التدخين في عدد من الدول، لا يزال ملايين الأشخاص حول العالم يدخنون بصورة يومية، بينما تستمر الأمراض المرتبطة بالتدخين في استنزاف الأنظمة الصحية والاقتصادات الوطنية.
هذا الواقع، بحسب المشاركين، يفرض إعادة النظر في طريقة التعامل مع المدخنين، والانتقال من خطاب يقوم على الوعظ فقط، إلى سياسات صحية أكثر واقعية، تعترف بأن الإقلاع الكامل يظل الخيار الأفضل، لكنها تبحث أيضًا عن حلول علمية لمن يعجزون عن التوقف عن التدخين.
وفي هذا السياق، أكد عدد من الخبراء أن مفهوم “الحد من الأضرار” لم يعد مجرد نظرية مطروحة في الأوساط الأكاديمية، بل أصبح أحد المحاور الرئيسية للنقاش داخل العديد من المؤسسات الصحية والهيئات التنظيمية في عدد من دول العالم، التي تدرس باستمرار نتائج الأبحاث المتعلقة بالبدائل الخالية من الاحتراق ومدى قدرتها على تقليل التعرض للمواد السامة مقارنة باستمرار تدخين السجائر التقليدية.
وشدد المشاركون على أن أي نقاش حول هذه المنتجات يجب أن يبقى قائمًا على الأدلة العلمية، وأن يخضع لتقييم مستمر من قبل الجهات التنظيمية، بعيدًا عن المواقف المسبقة أو الطروحات غير المدعومة بالبحوث.
أفريقيا… التحدي الأكبر
ورأى متحدثون أن القارة الأفريقية تقف اليوم أمام تحدٍ مزدوج؛ فمن جهة لا تزال معدلات التدخين مرتفعة في عدد من البلدان، ومن جهة أخرى تواجه الأنظمة الصحية تحديات تتعلق بالإمكانات والموارد والبنية التحتية، وهو ما يجعل تكلفة علاج الأمراض المرتبطة بالتدخين عبئًا متزايدًا على ميزانيات الصحة العامة.
وأكد المشاركون أن دول المغرب العربي تمتلك فرصة للاستفادة من التجارب الدولية، عبر تطوير سياسات وطنية تستند إلى الأدلة العلمية، وتجمع بين الوقاية، والتوعية، ودعم الإقلاع عن التدخين، مع متابعة التطورات العلمية المتعلقة ببدائل النيكوتين ومنتجات التبغ المسخن وغيرها من المنتجات الخالية من الدخان، وفق الأطر التنظيمية التي تضعها السلطات الصحية في كل دولة.
وفي هذا الإطار، أوضح عدد من الخبراء أن النقاش لم يعد يدور حول استبدال سياسة بأخرى، وإنما حول بناء منظومة متكاملة تستخدم جميع الأدوات التي أثبتت فعاليتها، بما يحقق الهدف الأساسي المتمثل في خفض معدلات الأمراض والوفيات الناجمة عن التدخين.
رسالة الرباط : العلم أولًا
ولعل أبرز ما ميّز النقاشات هو اتفاق المشاركين على أن القرارات المتعلقة بالصحة العامة ينبغي أن تُبنى على نتائج الدراسات المحكمة، لا على الانطباعات أو الاستقطابات الفكرية.
وأكد المتحدثون أن البحث العلمي يتطور بصورة مستمرة، وأن مسؤولية المؤسسات الصحية تتمثل في مراجعة الأدلة الجديدة كلما ظهرت، وتحديث السياسات بما يتوافق مع المعطيات العلمية، مع الحفاظ على الهدف الثابت المتمثل في حماية الصحة العامة وتقليل أعداد المدخنين.
وهكذا، لم تكن جلسات الرباط مجرد استعراض لواقع التدخين في المنطقة، بل مثلت دعوة صريحة إلى فتح نقاش علمي أكثر عمقًا حول مستقبل سياسات مكافحة التدخين في أفريقيا، في ضوء المتغيرات الصحية والتكنولوجية التي يشهدها العالم.
العلم والحوار… الطريق إلى سياسات أكثر فاعلية
إذا كان اليوم الأول من ندوة الرباط قد انشغل بتشخيص واقع التدخين في المغرب العربي وأفريقيا، فإن الجلسات الختامية اتجهت نحو سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات صحية قابلة للتطبيق؟
وفي هذا الإطار، قدّم الخبراء المشاركون قراءات متقاربة في أهدافها، وإن اختلفت في زوايا تناولها، إلا أنها التقت عند حقيقة واحدة، وهي أن مكافحة التدخين لم تعد قضية صحية فحسب، بل أصبحت ملفًا يرتبط بالاقتصاد والتنمية والاستدامة وقدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأمراض المزمنة.
وأكد المتحدثون أن المنطقة تحتاج إلى تعزيز البحث العلمي المحلي، وعدم الاكتفاء بالاستناد إلى نتائج الدراسات الدولية، لأن الخصائص الاجتماعية والاقتصادية وأنماط التدخين تختلف من بلد إلى آخر، وهو ما يجعل إنتاج المعرفة العلمية داخل المنطقة عنصرًا أساسيًا في صياغة سياسات أكثر دقة وفاعلية.
وفي مداخلاتهم، شدد عدد من الأطباء والباحثين على أن الهدف يجب أن يبقى ثابتًا، وهو تقليل أعداد المدخنين والحد من الأمراض المرتبطة بالتدخين، مع التأكيد على أن الوسائل المستخدمة لتحقيق هذا الهدف ينبغي أن تخضع باستمرار للمراجعة العلمية كلما ظهرت معطيات جديدة أو تقنيات حديثة.
كما تناول المشاركون مفهوم الحد من الأضرار باعتباره أحد الموضوعات التي تشهد تطورًا متسارعًا على المستوى الدولي، مشيرين إلى أن تقييم المنتجات الخالية من الاحتراق أو البدائل الأخرى يجب أن يتم وفق معايير علمية صارمة، وبإشراف الجهات التنظيمية المختصة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الوقاية ومنع بدء التدخين والإقلاع عنه تظل الركائز الأساسية لأي سياسة صحية ناجحة.
المغرب العربي أمام فرصة جديدة ولم تغب خصوصية المنطقة عن النقاش، إذ رأى المشاركون أن دول المغرب العربي تمتلك فرصة لبناء نموذج إقليمي يقوم على تبادل الخبرات والتعاون العلمي وتطوير برامج الوقاية والعلاج، بما يراعي الواقع الصحي والاقتصادي لكل دولة.
وأشاروا إلى أن الاستثمار في التوعية الصحية، ودعم خدمات الإقلاع عن التدخين، ومواكبة التطورات العلمية، يمكن أن يسهم في تخفيف العبء الذي تفرضه الأمراض المرتبطة بالتدخين على أنظمة الرعاية الصحية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها العديد من دول القارة.
وأكدت النقاشات كذلك أن الحوار المفتوح بين الباحثين والأطباء وصناع القرار يمثل شرطًا أساسيًا للوصول إلى سياسات أكثر توازنًا، بعيدة عن الانقسام، وقريبة من احتياجات المجتمع.
الرباط… أكثر من ندوة وربما كانت الرسالة الأبرز التي خرج بها المشاركون هي أن مستقبل مكافحة التدخين لن يُرسم بالشعارات، وإنما بالبحث العلمي، والبيانات الدقيقة، والانفتاح على كل ما تثبته الأدلة من وسائل يمكن أن تسهم في حماية الصحة العامة.
فالندوة لم تقدم وصفات جاهزة، ولم تدّع امتلاك الحلول النهائية، لكنها نجحت في فتح مساحة للحوار بين اختصاصات مختلفة، وجمعت خبرات من دول تتقاسم تحديات متشابهة، الأمر الذي منح النقاش بعدًا إقليميًا يتجاوز حدود المؤتمر نفسه.
خاتمة
في عالم يتغير بسرعة، تتغير معه أيضًا أدوات التعامل مع القضايا الصحية الكبرى. وقضية التدخين ليست استثناءً. فبينما يبقى الإقلاع الكامل عن التدخين الخيار الأمثل والأكثر فائدة للصحة، تتواصل الأبحاث العلمية لفهم أفضل السبل إلى خفض الأضرار وتقليل العبء الصحي الناجم عن استمرار التدخين.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ندوة الرباط باعتبارها خطوة في مسار أطول، عنوانه الانتقال من الجدل إلى المعرفة، ومن المواقف المسبقة إلى الأدلة العلمية، ومن الحلول العامة إلى السياسات التي تراعي واقع المجتمعات واحتياجاتها.
وقد لا تكون الندوة قد أجابت عن جميع الأسئلة، لكنها نجحت في إعادة صياغة السؤال الأهم: كيف يمكن بناء مستقبل تقل فيه الأمراض المرتبطة بالتدخين، وتزداد فيه فرص حماية الصحة العامة؟
ويبقى الجواب مرهونًا بقدرة الحكومات والباحثين والمؤسسات الصحية على مواصلة الحوار، والاستثمار في البحث العلمي، واتخاذ القرارات التي تستند إلى الدليل، لأن مستقبل الصحة العامة في المنطقة لن تحدده المواقف وحدها، بل ما تثبته المعرفة العلمية، وما تنجح السياسات الرشيدة في تحويله إلى واقع ملموس.



