
من حراك المسرح المدرسي في بنغازي الثمانينات، بزمنها الفني الذهبي، تشكّل وعيه الإبداعي. عَبَرَ من خشبة المسرح إلى فضاء الإذاعة الرحب، ليتعلم تطويع أدواته الصوتية ومنح الخيال صورة، ثم استقر أمام كاميرا التلفزيون ممثلاً يمتلك انضباطاً صارماً، وقدرة على ضبط “راكور الإحساس” في أدق تفاصيل المشاهد المتقطعة.
في هذا اللقاء لـ “فبراير”، يفتح الفنان القدير محمد الصادق دفاتر الذاكرة والخبرة؛ يشخّص بجرأة أزمة المسرح المعاصر الذي يراه قد انعزل في أروقة النخبة وانفصل عن قضايا المجتمع، كما يقدم وصفة ثلاثية للأجيال الجديدة لحمايتهم من فخ الاستعجال والاحتراق المبكر.
بنغازي الثمانينات.. مختبر المواهب الأول
س1: أستاذ محمد، عندما نتأمل تجربة ثمانينات القرن الماضي في بنغازي، نجد حراكاً مسرحياً استثنائياً قاده المسرح المدرسي. كيف تقرأ زخم تلك المرحلة؟ وما دور الأكاديميين العائدين من المجر في صقل جيل مثقف فنيّاً؟
الفنان محمد الصادق: شهدت بنغازي في ثمانينات القرن الماضي حراكاً مسرحياً استثنائياً، شكّل مهرجان المسرح المدرسي ركيزته الأساسية؛ حيث كان يقدم سنوياً ما بين 20 إلى 25 عرضاً طلابياً. لم يكن المهرجان مجرد نشاط عابر، بل كان مختبراً حقيقياً لاستكشاف مواهب شابة غدت لاحقاً الرافد الأساسي لتطور المسرح الليبي خلال الثمانينات والتسعينات وصولاً إلى الألفية.
وقد تميز جيلنا بمحاذاة هذا الزخم المدرسي مع عودة قامات أكاديمية من المجر، كالراحل محمد بن شعالة، والفنان داود الحوتي، حيث صقلوا تلك المواهب المستكشفة عبر دورات مسرحية مكثفة، لينتج عن هذا التزاوج جيل واعي، دارس، ومثقف فنيّاً.
س2: على الخارطة الشخصية لمسيرتك الفنية، كانت مقاعد الدراسة بوابتك الإخراجية الأولى. كيف تستحضر تلك الخطوات المبكرة؟
الفنان محمد الصادق: على الصعيد الشخصي، كان هذا المهرجان المدرسي المسرحي بوابتي الأولى في الإخراج؛ حيث بدأت فيه في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ومنه انطلقت خطوتي الأولى في عالم الإخراج، لتظل تلك الحقبة من أجمل وأزهى فترات المسرح في بنغازي.
ميكروفون الإذاعة.. مدرسة تطويع الصوت
س3: وصفت الدراما الإذاعية بأنها “مدرسة ثانية”. كيف واجهت تحدي غياب الصورة المرئية والاعتماد الكلي على الأداء الصوتي لإقناع مستمع يتخيلك؟
الفنان محمد الصادق: شكلت الدراما الإذاعية مدرسة ثانية وفصلاً حاسماً في مسيرتي الفنية؛ فالعمل المسموع يرتكز كلياً على الصوت وغياب الصورة الفنية المرئية. من هنا، تعلمت كيف أطوع أدائي الصوتي وتلوينه ليعبر بدقة عن الحالة النفسية والشعورية للشخصية. في الإذاعة، يقع على عاتق الفنان عبء إقناع مستمع لا يرى، بل يسمع ويتخيل؛ لذا كان التحدي الأكبر هو الارتقاء بالأداء الصوتي لدرجة تجعل المستمع يعيش تفاصيل العمل، ويتخيل ملامح الشخصية وبيئتها وكأنه يشاهدها رأي العين.
كاميرا التلفزيون.. شروط الشاشة وضبط الانفعال
س4: الانتقال للتلفزيون يفرض شروطاً مختلفة؛ فالكاميرا تلغي المسافات. كيف تدير تحدي “تقطيع المشاهد” والحفاظ على تدفق الأداء دون أن تفلت أبعاد الشخصية؟
الفنان محمد الصادق: التلفزيون صناعة مختلفة تماماً عن المسرح؛ فالشاشة تقرّب المشاهد من الممثل حتى تصبح المسافة بينهما سنتيمترات معدودة، مما يتطلب ضبطاً صارماً للانفعالات وخفضاً لطبقة الصوت، لأن أي مبالغة ستبدو نافرة (أوفر).
التحدي الأكبر في التلفزيون يكمن في “تقطيع المشاهد” وعدم استرسال الشخصية كما يحدث على خشبة المسرح؛ إذ قد يُصوّر المشهد الواحد على مراحل وزوايا متعددة. وهنا يبرز دور التركيز العالي للحفاظ على (راكور الإحساس والتحضير الذهني) وتدفق الأداء المتصاعد مع الممثل البديل واللقطات المتقطعة دون أن يفلت زمام الشخصية.
س5: في رصيدك التلفزيوني شخصيتان حفرتا مكاناً خاصاً في وجدان الجمهور وشكلتا تحدياً كوميدياً وذهنياً لك. ماذا عنهما؟
الفنان محمد الصادق: لقد تجلت هذه الخبرة في مسيرتي عبر شخصيتين شكلتا تحدياً كوميدياً وذهنياً كبيراً لي، وأعتبرهما الأهم في تجربتي التلفزيونية: شخصية “عقيلة” في مسلسل (الأدلة)، وشخصية “بشر” في مسلسل (جارد مرد).
واقع مأزوم.. مسرح انفصل عن وجع الناس
س6: يقف المسرح المعاصر أمام تشخيص نقدي قاسٍ. برأيك، لماذا تراجع “أبو الفنون” محلياً وعربياً؟ وكيف أسهم طغيان السينوغرافيا البصرية ومصطلح “مسرح النخبة” في عزل العروض؟
الفنان محمد الصادق: يمر المسرح اليوم بأسوأ حالاته؛ حيث يعاني من تراجع حاد لا يقتصر على ليبيا فحسب، بل يشمل جلّ الدول العربية، باستثناء تجارب معدودة كما في تونس، المغرب، ودولة الإمارات التي تشهد حراكاً متطوراً.
لقد انفصل المسرح المعاصر عن ناسه، واستسلم لتبعية مصطلح غريب وهو “مسرح النخبة”؛ فتحولت العروض إلى طقوس معزولة يُقدمها الفنانون لبعضهم بعضاً داخل أروقة المهرجانات، سعياً وراء الجوائز والسفر، متناسين الضلع الأساسي في العملية المسرحية: (الممثل والجمهور). إن المسرح الحقيقي هو ما نبت من وجع الناس وعبر عن آلامهم.
وللأسف، طغت السينوغرافيا البصرية على حساب النص المسرحي والأداء الحركي؛ حتى صرنا نشاهد عروضاً بلا نصوص حقيقية، يغرق فيها الممثل في عتمة المؤثرات، ولا يكاد يلمحه الجمهور إلا أثناء التحية الختامية. لقد فقد المسرح هويته كفعل اجتماعي وإنساني حقيقي.
رسالة للشباب.. الموهبة وحدها لا تكفي
س7: نختم بوثيقة نصح تتوجه بها إلى الطاقات الشبابية الصاعدة التي تقع في “فخ الاستعجال”. ما هي الركائز الكفيلة ببناء مسيرة فنية راسخة؟
الفنان محمد الصادق: نصيحتي للشباب الموهوب تتلخص في ثلاثة ركائز: الدراسة، الاستفادة من خبرات الأجيال السابقة، والصبر.
ألاحظ اليوم أن الجيل الجديد يقع في فخ الاستعجال؛ لديهم رغبة عارمة في الظهور السريع والتواجد الفوري في المحافل، وهذا التسرع يحمل في طياته الكثير من السلبيات التي قد تحرق الموهبة في مهدها. إننا نمتلك طاقات شبابية ومواهب استثنائية وكبيرة جداً، لكن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فإذا لم تُصقل بالدراسة، ولم تُهذّب بالتعلم والاستماع لأهل الخبرة، ولم تتحلَّ بالصبر، فلن تصنع فنّاً حقيقيّاً أو أثراً ملموساً.
رسالتي لهم: أنتم تمتلكون الشغف والموهبة، لكنكم بحاجة ماسة إلى الصبر، والتعليم، لتبنوا مسيرة فنية راسخة لا تزول.


