الرئيسيةمرايا

حين تتصدع الروابط .. هل يفقد المجتمع مناعته ؟ الأسرة خط الدفاع الأول .. وترميم النسيج الاجتماعي مسؤولية الجميع

فايزة العجيلي

‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجتمع،‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬التحوَّلات‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬البيوت‭. ‬فعندما‭ ‬تضعف‭ ‬لغة‭ ‬الحوار،‭ ‬وتتراجع‭ ‬قيم‭ ‬التكافل،‭ ‬وتتآكل‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬تظهر‭ ‬تصدعات‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتنمية‭.‬

وفي‭ ‬ليبيا‭ ‬فرضت‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والسياسية،‭ ‬والثقافية‭ ‬تحديات‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬يدقون‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي‭ ‬إذا‭ ‬استمرتْ‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭.‬

‮ ‬ولأنَّ‭ ‬الأسرة‭ ‬تمثل‭ ‬النَّواة‭ ‬الأولى‭ ‬لبناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬يصيبها‭ ‬يمتد‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره،‭ ‬فتتزايد‭ ‬المشكلات‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وتتراجع‭ ‬قيم‭ ‬الانتماء‭ ‬والتعاون،‭ ‬وتضعف‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬يضع‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الأختصاصيين‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬والنفسيين‭ ‬والباحثين‭ ‬رؤيتهم‭ ‬لأسباب‭ ‬تصدع‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وانعكاساتها،‭ ‬والحلول‭ ‬الكفيلة‭ ‬بإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭. ‬الأسرة‭.‬

بداية‭ ‬التماسك‭ ‬ونقطة‭ ‬الانكسار

يرى‭ ‬مستشار‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬د‭.‬علي‭ ‬فرج‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المجتمع‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الأسرة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأولى‭ ‬للتنشئة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وغرس‭ ‬القيم‭ ‬والعادات‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬يصيبها‭ ‬ينعكس‭ ‬تدريجيًا‭ ‬على‭ ‬المجتمع،‭ ‬فتبدأ‭ ‬المشكلات‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬ثم‭ ‬الأسرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬ظواهر‭ ‬عامة،‭ ‬مثل‭ ‬انتشار‭ ‬المخدرات‭ ‬والتطرف‭ ‬والعنف،‭ ‬وهي‭ ‬جميعها‭ ‬تهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ويذهب‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فرج‭ ‬مجاهد‭ ‬لحسوني‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة،‭ ‬وضعف‭ ‬الحوار‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإدمان‭ ‬والعنف‭ ‬الأسري،‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬التفكك،‭ ‬محذرًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬يحوَّل‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬منتج‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬يستهلك‭ ‬موارده‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية،‭ ‬داعيًا‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإرشاد‭ ‬الأسري،‭ ‬ونشر‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭.‬

تصدعات‭ ‬صامتة‭ ‬تغير‭ ‬ملامح‭ ‬المجتمع

وترى‭ ‬الباحثة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬نعيمة‭ ‬سلامة‭ ‬امحمد‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬المجتمع‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬التغير‭ ‬الهادئ‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية؛‭ ‬حيث‭ ‬تحوَّلت‭ ‬الأسرة،‭ ‬بفعل‭ ‬الانشغال‭ ‬الرقمي‭ ‬وضغوط‭ ‬الحياة،‭ ‬إلى‭ ‬أفراد‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد‭ ‬لكن‭ ‬بعلاقات‭ ‬أقل‭ ‬تواصلًا‭. ‬كما‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬المرجعيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬النزاعات،‭ ‬وضعفت‭ ‬قيم‭ ‬الجيرة‭ ‬والتسامح،‭ ‬لتحل‭ ‬محلها‭ ‬الفردية‭ ‬والعزلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اهتزاز‭ ‬منظومة‭ ‬الضبط‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ويتفق‭ ‬الباحث‭ ‬الاجتماعي‭ ‬سعيد‭ ‬عمار‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬الروابط‭ ‬الأسرية،‭ ‬وتراجع‭ ‬الحوار،‭ ‬وسيطرة‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وانتشار‭ ‬النزاعات،‭ ‬كلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬تصدع‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬انعكست‭ ‬في‭ ‬انخفاض‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬النَّاس‭ ‬وتراجع‭ ‬روح‭ ‬التعاون‭ ‬والانتماء‭.‬

الصحة‭ ‬النفسية‭… ‬الضحية‭ ‬الأولى

من‭ ‬جانبها‭ ‬تؤكد‭ ‬الأختصاصية‭ ‬النفسية‭ ‬بهيجة‭ ‬الأخضر‭ ‬أن‭ ‬التفكك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭. ‬وتوضح‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬التواصل‭ ‬الأسري،‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬التربية‭ ‬والحوار،‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬القلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬والعنف‭ ‬الأسري،‭ ‬وخلقت‭ ‬بيئة‭ ‬نفسية‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭ ‬تهدد‭ ‬مستقبل‭ ‬الأجيال‭. ‬وتشدَّد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬الأسرة،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار،‭ ‬وإحياء‭ ‬القيم‭ ‬التربوية‭ ‬والدينية‭ ‬التي‭ ‬تعزَّز‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭.‬

الاقتصاد‭ ‬والعدالة‭ .. ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬للأزمة

ويشير‭ ‬الباحث‭ ‬عون‭ ‬الله‭ ‬مصطفى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التفاوت‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وضعف‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة،‭ ‬وتراجع‭ ‬دور‭ ‬التعليم،‭ ‬وغياب‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة،‭ ‬جميعها‭ ‬عوامل‭ ‬أسهمتْ‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬وعمّقت‭ ‬الانقسامات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الشعور‭ ‬بالمساواة‭ ‬والانتماء‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭. ‬كما‭ ‬تؤكد‭ ‬الدكتورة‭ ‬حميدة‭ ‬البوسيفي‭ ‬أن‭ ‬البطالة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الطلاق،‭ ‬وتأثير‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وضعف‭ ‬مؤسسات‭ ‬التنشئة،‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الأمني‭ ‬والسياسي،‭ ‬شكلت‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬لتفكك‭ ‬الأسرة‭ ‬وإضعاف‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الجريمة‭ ‬والانحراف،‭ ‬وتراجع‭ ‬المسؤولية‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وتأثر‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭.‬

إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة

تكاد‭ ‬آراء‭ ‬المختصين‭ ‬تجمع‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬تصدع‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬بجهة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬شراكة‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬الأسرة،‭ ‬والمدرسة،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدينية،‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭. ‬فالاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬ودعم‭ ‬الأسرة‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬ونفسيًا،‭ ‬وإحياء‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار،‭ ‬وترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬والانتماء،‭ ‬تمثل‭ ‬ركائز‭ ‬أساسية‭ ‬لاستعادة‭ ‬تماسك‭ ‬المجتمع‭.‬

ختامــًا‭ ‬

تكشف‭ ‬شهادات‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬تصدع‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬أسرية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬تحديًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬يمس‭ ‬حاضر‭ ‬المجتمع‭ ‬ومستقبله‭. ‬فكلما‭ ‬ضعفت‭ ‬الأسرة،‭ ‬تراجعت‭ ‬مناعة‭ ‬المجتمع‭ ‬أمام‭ ‬الأزمات،‭ ‬وازدادت‭ ‬كلفة‭ ‬معالجة‭ ‬آثار‭ ‬التفكك‭. ‬وبين‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للأسرة‭ ‬والقيم‭ ‬المشتركة،‭ ‬تبقى‭ ‬الرسالة‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬قوي‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬متماسك،‭ ‬وحوار‭ ‬حي،‭ ‬وثقة‭ ‬متبادلة،‭ ‬وشعور‭ ‬راسخ‭ ‬بأن‭ ‬مسؤولية‭ ‬حماية‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الجميع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى