
المثقف هو من يتدخل فيما لا يعنيه.. كما يقول )جان بول سارتر(.
تُعد العلاقة بين «المثقف، والسلطة» من أكثر العلاقات إشكالية في التاريخ الاجتماعي والسياسي، إذ تتأرجح دائمًا بين التحالف، والصدام، والاستقلال والتبعية، والضمير والنفعية. فالمثقف، بحكم وظيفته النقدية والمعرفية، يسعى إلى قول الحقيقة ومساءلة الواقع، بينما تميل السلطة إلى الهيمنة والسيطرة وتفضّل من يبرّر سياساتها أو يصمت عن أخطائها. ومهما يكن من أمر فيجب على المثقف أن ينحاز إلى القيم الإنسانية؛ لأنها هي الباقية في النهاية مهما ظننت خلاف ذلك، وفي التاريخ شواهد أكثر من أن تذكر، وعلى المثقف ألا يحاول تبرير أية أفعال مشينة تحت أية ذريعة خوفًا، أو طمعًا، أو تماهيًا مع موقف ولي النعمة، فالثقافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صفة معرفية، وقد أشار «أنطونيو غرامشي» إلى أن هناك نوعين من المثقفين:
المثقف التقليدي الذي يخدم النظام القائم ويبرّر سلطته، والمثقف العضوي الذي ينحاز إلى القيم، ويسعى لتغيير البنية الاجتماعية من الداخل.
إذن علاقة المثقف بالسلطة علاقة معقدة وجدلية ليستْ في عصرنا هذا فحسب بل على مر العصور، وفي مختلف المجتمعات. والمثقفون ينقسمون في العلاقة مع السلطة إلى طرائق قددًا، فمنهم من ينتصر لمنظومته القيمية والأخلاقية مهما كان ثمن موقفه، حتى وإن كان ذلك الثمن هو غضب السلطة الذي لا تؤتمن عواقبه، ومنهم من يداهن السلطة، ويتفق مع موقفها المنافي للقيم الإنسانية، ليس هذا فحسب، بل تجده يوظف ما يمتلك من ثقافة ومعرفة لتمرير وتبرير ذلك الموقف، وفي هذا النَّوع من المثقفين يقول إدوارد سعيد:
)حينما يتحوّل المثقف إلى خبير مأجور يفقد صوته ويصير صدىً للسلطة، لا ناقدًا لها(.
ومنهم -أقصد المثقفين- مَنْ يحاول أن يوازن بين تلك القيم وموقف السلطة، وهي موازنة لن تنجيه من السقوط الأخلاقي؛ لأنه في النهاية سينجر حتمًا إلى التماهي مع موقف السلطة مرغمًا طال الزمن، أم قصر، فيجب على صاحب الموقف الأخلاقي ألا يقف في المنطقة الرمادية، فالوقوف في هذه المنطقة في حده ذاته خيانةً لتلك المنظومة القيمية والأخلاقية، فلا توجد في القضايا الأخلاقية والإنسانية منزلةٌ بين المنزلتين، ولا مكانٌ لأصحاب الأعراف فيها.



