رأي

المثقف والسلطة

د. عماد خالد الهصك

المثقف‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يتدخل‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭.. ‬كما‭ ‬يقول‭ )‬جان‭ ‬بول‭ ‬سارتر‭(.‬

تُعد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬المثقف،‭ ‬والسلطة‮»‬‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العلاقات‭ ‬إشكالية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬إذ‭ ‬تتأرجح‭ ‬دائمًا‭ ‬بين‭ ‬التحالف،‭ ‬والصدام،‭ ‬والاستقلال‭ ‬والتبعية،‭ ‬والضمير‭ ‬والنفعية‭. ‬فالمثقف،‭ ‬بحكم‭ ‬وظيفته‭ ‬النقدية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬الحقيقة‭ ‬ومساءلة‭ ‬الواقع،‭ ‬بينما‭ ‬تميل‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬والسيطرة‭ ‬وتفضّل‭ ‬من‭ ‬يبرّر‭ ‬سياساتها‭ ‬أو‭ ‬يصمت‭ ‬عن‭ ‬أخطائها‭. ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فيجب‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬ينحاز‭ ‬إلى‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬الباقية‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬مهما‭ ‬ظننت‭ ‬خلاف‭ ‬ذلك،‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬شواهد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تذكر،‭ ‬وعلى‭ ‬المثقف‭ ‬ألا‭ ‬يحاول‭ ‬تبرير‭ ‬أية‭ ‬أفعال‭ ‬مشينة‭ ‬تحت‭ ‬أية‭ ‬ذريعة‭ ‬خوفًا،‭ ‬أو‭ ‬طمعًا،‭ ‬أو‭ ‬تماهيًا‭ ‬مع‭ ‬موقف‭ ‬ولي‭ ‬النعمة،‭ ‬فالثقافة‭ ‬مسؤولية‭ ‬أخلاقية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صفة‭ ‬معرفية،‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬‮«‬أنطونيو‭ ‬غرامشي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭:‬

المثقف‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬ويبرّر‭ ‬سلطته،‭ ‬والمثقف‭ ‬العضوي‭ ‬الذي‭ ‬ينحاز‭ ‬إلى‭ ‬القيم،‭ ‬ويسعى‭ ‬لتغيير‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

إذن‭ ‬علاقة‭ ‬المثقف‭ ‬بالسلطة‭ ‬علاقة‭ ‬معقدة‭ ‬وجدلية‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور،‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬المجتمعات‭. ‬والمثقفون‭ ‬ينقسمون‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬طرائق‭ ‬قددًا،‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬ينتصر‭ ‬لمنظومته‭ ‬القيمية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ثمن‭ ‬موقفه،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الثمن‭ ‬هو‭ ‬غضب‭ ‬السلطة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تؤتمن‭ ‬عواقبه،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يداهن‭ ‬السلطة،‭ ‬ويتفق‭ ‬مع‭ ‬موقفها‭ ‬المنافي‭ ‬للقيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تجده‭ ‬يوظف‭ ‬ما‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬ومعرفة‭ ‬لتمرير‭ ‬وتبرير‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬النَّوع‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬يقول‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭:‬

‭)‬حينما‭ ‬يتحوّل‭ ‬المثقف‭ ‬إلى‭ ‬خبير‭ ‬مأجور‭ ‬يفقد‭ ‬صوته‭ ‬ويصير‭ ‬صدىً‭ ‬للسلطة،‭ ‬لا‭ ‬ناقدًا‭ ‬لها‭(.‬

ومنهم‭ -‬أقصد‭ ‬المثقفين‭- ‬مَنْ‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬وموقف‭ ‬السلطة،‭ ‬وهي‭ ‬موازنة‭ ‬لن‭ ‬تنجيه‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬الأخلاقي؛‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬سينجر‭ ‬حتمًا‭ ‬إلى‭ ‬التماهي‭ ‬مع‭ ‬موقف‭ ‬السلطة‭ ‬مرغمًا‭ ‬طال‭ ‬الزمن،‭ ‬أم‭ ‬قصر،‭ ‬فيجب‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬الموقف‭ ‬الأخلاقي‭ ‬ألا‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية،‭ ‬فالوقوف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬حده‭ ‬ذاته‭ ‬خيانةً‭ ‬لتلك‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والإنسانية‭ ‬منزلةٌ‭ ‬بين‭ ‬المنزلتين،‭ ‬ولا‭ ‬مكانٌ‭ ‬لأصحاب‭ ‬الأعراف‭ ‬فيها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى