
لا ننسى أبدا ذلك الشاب الملتحف بعباءته الرمادية وهو يرفع شعارا أصبح أيقونة من أيقونات ثورة السابع عشر من فبراير عام 2011 م. هذا الشعار الذي تفاعل معه الجميع كان قصيرا ومغريا وكأنه اختير بعناية!
«مطلبنا الحرية»
الآن وبعد خمسة عشر عاما اكتشفنا أن البلد لم تكن أبدا حرة في خياراتها كما كانت قبل 2011م، بغض النظر عن صحة تلك الخيارات من عدمها، وأنها لم تكن أبدا رهينة للقوى الخارجية والأفكار المستوردة كما هي الآن..
اكتشفنا أيضا أن ما هو متاح لنا الآن أضيق بكثير من الهامش المتاح لنا قبل 2011 م.
قبل 2011 م كان الخط الأحمر هو السلطة الوحيدة الحاكمة، بعد 2011 م تعددت الخطوط الحمراء لتشمل كل من يمتلك فوهة بندقية، من يتحكم بأموال الدولة ويتخذها رهينة، من يلبس عمامة، من تفوضه المصالح المشتركة للقبائل والمشائخ والسلط الحاكمة..
اكتشفنا أيضا أن ما حدث لم يكن ثورة جياع، وأننا لم نعرف الجوع بمعناه الحقيقي إلا بعد 2011 م!
أصبحت بلادنا مسرحا للتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة، ومجالا للصراعات السياسية والدينية على اتساع المجال الجغرافي الذي يحتوينا..
انهارت المؤسسات المحلية وشركات الخدمات العامة، وعجزت المصارف وتهاوت العملة وسقط المجتمع في دوامة من الأزمات التي ليس لها قرار.. ضاعت أحلام الثائرين في تحقيق دولة مدنية يحكمها الدستور والقانون وتنال الحقوق فيها بسلطة القضاء..
وها نحن الآن في أفضل أحوالنا نطالب بحاكم قوي يلملم أطراف هذه الدولة المتشضية ويعيدها إلى اليوم الذي يسبق السابع عشر من فبراير 2011 م، غارقين في الوهم الذي اكتشفناه بعد فوات الأوان..



