رأي

الكهرباء.. سلاحٌ سياسيٌّ لتركيع المُواطن

عثمان القاجيجي

لم‭ ‬تعد‭ ‬انقطاعات‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬المتكررة‭ ‬والمُمتدة‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬مجرد‭ ‬عجزٍ‭ ‬فنيٍّ،‭ ‬أو‭ ‬مُشكلة‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬ونقل‭ ‬الطاقة‭ ‬وتغطية‭ ‬الأحمال‭ ‬في‭ ‬الشبكة؛‭ ‬فكل‭ ‬المؤشرات‭ ‬والوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭. ‬إنها‭ ‬سياسة‭ ‬مُمنهجة‭ ‬لإدخال‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬يومية‭ ‬من‭ ‬المعاناة،‭ ‬وتجريده‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة،‭ ‬وحرمانه‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬حقوقه‭ ‬الأساسية‭ ‬والحياتية،‭ ‬وذلك‭ ‬لتحويل‭ ‬انتباهه‭ ‬عن‭ ‬الأزمات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تعصِف‭ ‬بالبلاد،‭ ‬وجعله‭ ‬غارقاً‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلولٍ‭ ‬لبقائه‭ ‬اليومي‭ ‬فقط‭.‬

لقد‭ ‬تحول‭ ‬ملف‭ ‬الكهرباء‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭ ‬قذِرة،‭ ‬تستخدمها‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬لتهيئة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الليبي‭ ‬وتطويعه،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تمرير‭ ‬قرارات‭ ‬مصيرية‭ ‬ومشبوهة،‭ ‬أو‭ ‬لإجباره‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬مبادرات‭ ‬وتسويات‭ ‬سياسية‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬ضيقة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭. ‬إن‭ ‬استغلال‭ ‬الحاجات‭ ‬الأساسية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬مثل‭ ‬توفير‭ ‬الوقود‭ ‬والكهرباء،‭ ‬كأداة‭ ‬للابتزاز‭ ‬والضغط‭ ‬والفرض‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية،‭ ‬هو‭ ‬جريمة‭ ‬مكتملة‭ ‬الأركان،‭ ‬ترتقي‭ ‬الى‭ ‬جرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وممارسة‭ ‬دنيئة‭ ‬تفضح‭ ‬زيف‭ ‬الشعارات‭ ‬المرفوعة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتصدرين‭ ‬للمشهد‭.‬

إن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬بهذه‭ ‬العقلية‭ ‬الابتزازية‭ ‬لن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬انفجار‭ ‬شعبي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بعواقبه‭. ‬فالصبر‭ ‬الليبي‭ ‬قد‭ ‬شارف‭ ‬على‭ ‬النفاد،‭ ‬ولن‭ ‬يقبل‭ ‬الشعب‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬حياته‭ ‬وحياة‭ ‬أطفاله‭ ‬رهينةً‭ ‬للمساومات‭ ‬ومراكز‭ ‬النفوذ،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬العابثين‭ ‬بقوت‭ ‬الناس‭ ‬واستقرارهم،‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬أن‭ ‬اللعب‭ ‬بقطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كالكهرباء‭ ‬هو‭ ‬خط‭ ‬أحمر،‭ ‬وأن‭ ‬سياسة‭ ‬الِإذلال‭ ‬المتعمد‭ ‬لن‭ ‬تمر‭ ‬دون‭ ‬حساب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى