
لم تعد انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة والمُمتدة لساعات طويلة، مجرد عجزٍ فنيٍّ، أو مُشكلة في توليد ونقل الطاقة وتغطية الأحمال في الشبكة؛ فكل المؤشرات والوقائع على الأرض، تؤكد أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها سياسة مُمنهجة لإدخال المواطن في دوامة يومية من المعاناة، وتجريده من أبسط مقومات الحياة الكريمة، وحرمانه من أحد حقوقه الأساسية والحياتية، وذلك لتحويل انتباهه عن الأزمات السياسية والاقتصادية الكبرى التي تعصِف بالبلاد، وجعله غارقاً في البحث عن حلولٍ لبقائه اليومي فقط.
لقد تحول ملف الكهرباء بوضوح إلى ورقة ضغط سياسي قذِرة، تستخدمها أطراف النزاع لتهيئة الرأي العام الليبي وتطويعه، من أجل تمرير قرارات مصيرية ومشبوهة، أو لإجباره على قبول مبادرات وتسويات سياسية تخدم مصالح ضيقة على حساب مصلحة الوطن. إن استغلال الحاجات الأساسية للمواطنين، مثل توفير الوقود والكهرباء، كأداة للابتزاز والضغط والفرض في الصراعات السياسية، هو جريمة مكتملة الأركان، ترتقي الى جرائم ضد الإنسانية، وممارسة دنيئة تفضح زيف الشعارات المرفوعة من قبل المتصدرين للمشهد.
إن الاستمرار في إدارة هذا الملف بهذه العقلية الابتزازية لن يؤدي إلا إلى انفجار شعبي لا يمكن التنبؤ بعواقبه. فالصبر الليبي قد شارف على النفاد، ولن يقبل الشعب أن تظل حياته وحياة أطفاله رهينةً للمساومات ومراكز النفوذ، وعلى كل العابثين بقوت الناس واستقرارهم، أن يدركوا أن اللعب بقطاع الخدمات الاستراتيجية كالكهرباء هو خط أحمر، وأن سياسة الِإذلال المتعمد لن تمر دون حساب.



