لا يزال صدى البيت الشعري «قف شامخاً عانق هناك الأنجما.. يكفيك فخراً أن تكون معلماً» يتردد في وجدان كل المشتغلين بقطاع التربية والتعليم، فهو يختزل في طياته مكانة المعلم السامية بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمعات. وتكريماً لهذا الدور، خصصت منظمة اليونسكو الخامس من أكتوبر من كل عام يوماً عالمياً للاحتفاء برسول العلم والمعرفة. وفي هذا السياق، استطلعت صحيفة فبراير آراء نخبة من المعلمين والمفتشين التربويين في بلدية أوباري، لرصد المشهد التعليمي بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل.
رؤية المفتش التربوي: بين التدريب ومواكبة التحديث
يرى المفتش التربوي القدير، /خمني ماخي، رئيس مكتب التفتيش التربوي «الوحدة المكانية أوباري»، أن التفتيش التربوي يضطلع بدور محوري في مواكبة التطورات. ويؤكد أن قسم التدريب والتطوير بالمصلحة وفروعها يعمل بجدية على تنظيم دورات تخصصية للمعلمين والمفتشين، مع تأسيس مركز للتدريب بالتعاون مع مراكز المنطقة، بهدف الارتقاء بالمناهج التعليمية وتطبيق الممارسات التربوية الناجحة التي تضمن جودة المخرجات التعليمية.
الحنين إلى «جيل الطباشير»
تستحضر المعلمة القديرة /خديجة الزردك ملامح من المسيرة التعليمية مطلع الثمانينات، مشيرة إلى الفجوة بين أجيال المعلمين. وتسترجع الزردك ذكريات التفاني في العطاء، حيث كان المعلم يمتلك هيبة ومكانة، ولا يتوانى عن تحمل أعباء تدريسية متعددة التخصصات، دون شكوى أو بحث عن مصلحة شخصية. وتؤكد أن غياب الدروس الخصوصية في ذلك الزمن كان دليلاً على إخلاص المعلم في الشرح وتكرار المعلومة حتى ترسخ في أذهان الطلاب، معتمدة في ذلك على أساليب تعليمية مبتكرة، كاستخدام النظم الشعبي لتبسيط القواعد العلمية، وهي أساليب ظلت عالقة في ذاكرة الأجيال كشاهد على فاعلية ذلك التعليم.
ضرورة نقل الخبرات وتجسير الفجوة
تطرح المعلمة القديرة /تكديت الشاوي البكاي رؤية نقدية حول واقع التعليم، مؤكدة على ضرورة استثمار خبرات المعلمين القدامى عبر جلسات حوارية ودورات تدريبية ممنهجة. وتدعو البكاي إلى تفعيل دور «خبير المادة» أو «المعلم الأول» داخل المؤسسات التعليمية، مشيرة إلى أن «الإنزواء» الذي قد يفرضه تقادم الأجيال أدى إلى فقدان التواصل المعرفي بين الخبرات التربوية والجيل الصاعد. كما تشدد على أن تطوير التعليم لا يقتصر على المناهج فحسب، بل يمتد لكيفية احتواء المنهج وتبسيطه، وهو ما يتطلب حكمة المعلم الخبير لمواجهة ضعف التحصيل الدراسي. وتختم بالدعوة إلى معالجة عشوائية التعليم من جذورها، بدءاً من أروقة الوزارة وصولاً إلى إدارة الأزمات المدرسية بآلية صحيحة.
رؤية المراقب: استشراف التحول الرقمي
يوضح مراقب التربية والتعليم بأوباري، السيد /أبوهديمة الشريف، أن الإدارة تسعى لتنفيذ رؤية تطويرية تهدف إلى بناء مستقبل تعليمي واعد، من خلال الارتقاء بأداء المعلم وتدريبه. ويشير إلى أن النية تتجه نحو تطبيق مبدأ «التعلم النشط»، والاستفادة من تجارب المعلمين الذين قضوا عقوداً في حقل العطاء، مثل المعلم القدير البصيري الزروق، كنموذج يحتذى به في نقل الخبرة. كما أكد الشريف على الاهتمام بتوفير «الحقيبة النشطة» للمعلمين ومواكبة التحول الإلكتروني الذي أحدثته الوزارة في أرشفة القطاع وتسهيل التواصل الإداري.
المعلم الشامل: بين التخصص والميول
من جانبها، تقدم المفتشة التربوية/ نادرة رجب وجهة نظر مغايرة حول مفهوم المعلم الشامل. ترى رجب أن تقييد المعلم بتخصصه الجامعي حصراً قد لا يكون دائماً الخيار الأمثل، خاصة في مرحلة التعليم الأساسي. وتستند في ذلك إلى تجربتها الشخصية وتجارب ميدانية أثبتت أن الميول الشخصية للمعلم وقدرته على تطوير ذاته قد تمنحه تميزاً في تدريس مواد خارج نطاق تخصصه الأكاديمي، مشددة على أن جوهر التعليم يكمن في قدرة المعلم على إيصال المعلومة وتطوير مهاراته باستمرار، بغض النظر عن التوصيف الوظيفي الدقيق.