مرايا

بيوتنا .. على المكشوف .. !! من خلاف عائلي إلى «ترند» حين تتحوَّل الخصوصية إلى مادة للفرجة والتشهير

فايزة العجيلي

‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أسرار‭ ‬البيوت‭ ‬تُغلق‭ ‬خلف‭ ‬الأبواب‭ ‬كما‭ ‬كانتْ،‭ ‬ولا‭ ‬تبقى‭ ‬الخلافات‭ ‬العائلية‭ ‬حبيسة‭ ‬جدران‭ ‬المنزل‭.‬

اليوم‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬المشكلة‭ ‬بين‭ ‬زوجين‭ ‬داخل‭ ‬غرفة‭ ‬مغلقة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الهاتف،‭ ‬ومنه‭ ‬إلى‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل،‭ ‬ثم‭ ‬تتحوَّل‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬النَّاس‭.‬

صورة،‭ ‬تسجيل‭ ‬صوتي،‭ ‬محادثة‭ ‬خاصة،‭ ‬أو‭ ‬مقطع‭ ‬مصوّر،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬كافيًا‭ ‬لفتح‭ ‬أبواب‭ ‬من‭ ‬الفضول‭ ‬والتدخل‭ ‬والتعليق‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬بالأمس‭ ‬شأنًا‭ ‬عائليًا‭ ‬يُعالج‭ ‬بين‭ ‬أهله،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬مادة‭ ‬للنشر،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬للشماتة،‭ ‬والتشهير‭ ‬وجمع‭ ‬المشاهدات‭.‬

وتكشف‭ ‬مواقف‭ ‬متكرَّرة‭ ‬حجم‭ ‬التحوَّل‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الخصوصية‭. ‬خلاف‭ ‬زوجي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يبدأ‭ ‬داخل‭ ‬المنزل،‭ ‬ثم‭ ‬يقرَّر‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬نشر‭ ‬تفاصيله‭ ‬على‭ ‬صفحته،‭ ‬فتدخل‭ ‬التعليقات‭ ‬على‭ ‬الخط،‭ ‬ويبدأ‭ ‬الأقارب،‭ ‬والأصدقاء،‭ ‬والغرباء‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام،‭ ‬حتى‭ ‬تتحوّل‭ ‬مشكلة‭ ‬يمكن‭ ‬احتواءها‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬يعرف‭ ‬تفاصيلها‭ ‬الجميع‭.‬

وفي‭ ‬موقف‭ ‬آخر،‭ ‬تتحوّل‭ ‬محادثة‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬شخصين‭ ‬إلى‭ ‬منشور‭ ‬متداول‭ ‬بعد‭ ‬التقاط‭ ‬صور‭ ‬لها‭ ‬ونشرها‭ ‬دون‭ ‬إذن‭ ‬صاحبها‭. ‬خلال‭ ‬وقت‭ ‬قصير،‭ ‬تصبح‭ ‬الكلمات‭ ‬الخاصة‭ ‬متاحة‭ ‬للغرباء،‭ ‬وتبدأ‭ ‬التأويلات‭ ‬والتعليقات،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬صاحبها‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬ما‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬هاتفه‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬السيطرة‭ ‬عليه‭.‬

ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬المسألة‭ ‬عند‭ ‬الأسرار‭ ‬والخلافات‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الوقائع‭ ‬والحوادث،‭ ‬أصبحت‭ ‬الكاميرا‭ ‬حاضرة‭ ‬قبل‭ ‬وصول‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬فيسارع‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬تصوير‭ ‬المشهد‭ ‬ونشره،‭ ‬بدل‭ ‬ترك‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬للجهات‭ ‬الأمنية‭ ‬والقضائية‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬حدث؟‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬أيضًا‭: ‬لماذا‭ ‬نُشر؟‭ ‬ومن‭ ‬أعطى‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الواقعة‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬يتداولها‭ ‬الناس؟

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬ذاتها،‭ ‬فهي‭ ‬وسيلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نافذة‭ ‬للمعرفة‭ ‬والتواصل‭ ‬وخدمة‭ ‬المجتمع،‭ ‬لكنها‭ ‬تصبح‭ ‬خطرة‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬الخصوصية‭ ‬إلى‭ ‬محتوى،‭ ‬والخلاف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ترند‮»‬،‭ ‬والفضيحة‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للشهرة‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يكتفي‭ ‬بنشر‭ ‬مشكلته،‭ ‬بل‭ ‬ينشر‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭ ‬أيضًا؛‭ ‬صورًا،‭ ‬ومحادثات،‭ ‬وتسجيلات،‭ ‬وتسريبات،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬امتلاك‭ ‬الهاتف‭ ‬يمنح‭ ‬صاحبه‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يخصه‭.‬

وبين‭ ‬مَنْ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ )‬الترند‭( ‬وآخر‭ ‬يلهث‭ ‬خلف‭ ‬الشهرة،‭ ‬تضيع‭ ‬أسئلة‭ ‬مهمة‭:‬‭ ‬أين‭ ‬تنتهي‭ ‬حرية‭ ‬التعبير؟‭. ‬ومتى‭ ‬يتحول‭ ‬النشر‭ ‬إلى‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬الآخرين؟‭ ‬ومَنْ‭ ‬يحمي‭ ‬الأسرة‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬تفاصيلها‭ ‬متاحة‭ ‬أمام‭ ‬آلاف‭ ‬الغرباء؟‭.‬

لكن‭ ‬المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الناشر‭ ‬وحده؛‭ ‬فالمتلقي‭ ‬شريك‭ ‬أيضًا‭.‬

كل‭ ‬مشاهدة‭ ‬وتعليق‭ ‬ومشاركة‭ ‬لمحتوى‭ ‬ينتهك‭ ‬خصوصية‭ ‬شخص،‭ ‬أو‭ ‬أسرة،‭ ‬قد‭ ‬تمنحه‭ ‬انتشارًا‭ ‬أكبر،‭ ‬وعمرًا‭ ‬أطول‭. ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ )‬الترند‭(‬‭ ‬مَنْ‭ ‬ينشر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يصنعه‭ ‬أيضًا‭ ‬مَنْ‭ ‬يمنحه‭ ‬المشاهدة‭ ‬والتفاعل‭.‬

حماية‭ ‬الخصوصية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الوعي،‭ ‬ومن‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة،‭ ‬ومن‭ ‬خطاب‭ ‬اجتماعي‭ ‬وديني‭ ‬يرسخ‭ ‬احترام‭ ‬ستر‭ ‬الآخرين،‭ ‬وتكتمل‭ ‬بقوانين‭ ‬واضحة‭ ‬وآليات‭ ‬فعالة‭ ‬لمحاسبة‭ ‬من‭ ‬يتجاوزون‭ ‬حدودهم‭.‬

فليست‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى،‭ ‬ولا‭ ‬كل‭ ‬مشكلة‭ ‬تصلح‭ ‬للنشر،‭ ‬ولا‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬نملكها‭ ‬تمنحنا‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬نشرها‭.‬

فبعض‭ ‬الأبواب‭ ‬إذا‭ ‬فُتحت‭ ‬أمام‭ ‬النَّاس‭ .. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغلاقها‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى