
في هذا العمل النحتي الاستثنائي، يقدم لنا الفنان الليبي محمد بن لامين معادلة بصرية كونية تتجاوز محليتها لتلامس جرح الإنسانية العام. إنه تشريح دقيق لهشاشة الجسد الإنساني في مواجهة آلة الدمار، وصياغة جديدة لمفهوم المنفى القسري.
سقف الجمر والمأوى المستحيل:
أول ما يواجهنا هو السقف الخشبي، الذي يتخذ هيئة قطّاعة بدائية أو شظية جذع شجرة قاسية. هذا السقف ليس ملاذاً آمناً؛ إنه سقف من جمر، أو مشنقة خفية تتدلى منها الأقدار. الخشب هنا، بمسامه الغائرة وجروحه الطبيعية، يعكس عبثية الجغرافيا حين تتحول إلى سجن. الشخصية الجالسة تحتمي تحت هذا السقف، لكنها في ذات الوقت محاصرة به. إنه حماية هشة، مؤقتة، يهددها السقوط في أي لحظة.
أجسادٌ من حديد وخيوط حريرية:
تتكون الشخصية الجالسة من مادة غريبة ومعبرة: مزيج من بقايا نحاسية «ربما أغلفة رصاص فارغة» وملفوفة بإحكام وبشكل مَرَضي بأسلاك معدنية رفيعة. هذا التكوين هو تجسيد مرئي للجسد المجمّع بعد الكسر. الأطراف المنفصلة التي تتخذ وضعية القرفصاء – وضعية دفاعية تقلل من المساحة التي يشغلها الكائن – تخبرنا عن الخوف، الانكماش، والبحث عن أقل مساحة ممكنة للحفاظ على الذات من التلاشي.
اللفائف المعدنية: أصفاد الذاكرة أم شِباك النجاة؟
الأسلاك الملفوفة بعناية وبشكل حلزوني حول الرقبة والخصر والمفاصل ليست مجرد عناصر تثبيت للنحاس؛ إنها أصفاد الذاكرة. كل لفة تمثل ذكرى مؤلمة، حرباً، فقداناً، أو قيداً فرضه الواقع على هذا الكائن الضعيف. ومع ذلك، فإن هذه الأصفاد المعدنية هي أيضاً ما تمنح الشكل تماسكه؛ فهي تشبه الخيوط الجراحية التي تخيط جرحاً عميقاً. الجمالية هنا تكمن في هذا التناقض: الألم هو الذي يعيد تشكيل الهوية، والقيود هي التي تصنع هذا الوجود الناجي.
القاعدة المسند الأخير:
يستند الكائن على قاعدة صلبة، ربما قطعة معدنية مسطحة أو حجر مصقول. هذه القاعدة تمثل الأرض أو الواقع الصلب الذي يتلقى الصدمات. إنها المسند الأخير قبل السقوط في الفراغ، وتؤكد على وضعية الجلوس كحالة مؤقتة وثابتة في آن واحد.
خاتمة بصرية:
منحوتة محمد بن لامين هي سيمفونية صامتة، ترثي ما ضاع وتعيد تجميع ما تبقى. إنها ليست مجرد فن من مخلفات الحرب، بل هي بحث فلسفي عميق حول صمود الروح الإنسانية، وقدرتها على التحول والتأقلم، حتى تحت سقف من جمر. إنها صرخة فنية من ليبيا، تقول للعالم إن الألم، مهما اشتد، يمكن أن يُعاد صياغته ليصبح عملاً فنياً خالداً، يروي قصة النجاة.



