مرايا

حكاية كلُ واحد في وادي

فائزة العجيلي

في إحدى الزوايا الهادئة من البيت، يجلسُ الأبُ منشغلاً بهاتفه، بينما تجلس الزوجة في الجهة المقابلة غارقةً في عالمها الخاص. لا حديث، لا نقاش، ولا حتى تفاصيل يومية عابرة تجمع بينهما.
مشهدٌ يتكرَّرُ منذ سنوات حتى أصبح جزءًا من الروتين اليومي داخل هذه الأسرة.
يروي الزوج معاناته قائلاً : لينا سنين ما نتلاقواش في فكرة، ولا في موضوع. حتى لو نفتح أي كلام عادي، على طول تتهجم عليّ بالكلام وكأنها مستعدة للخلاف قبل ما تسمعني.اني نفكر في جهة وهي في جهة ثانية، ومستحيل نلقوا نقطة مشتركة نتفاهموا فيها.
ويضيف بحسرة: وصلتُ لمرحلة كرهتُ نهدرز معاها، أو نفتح أي موضوع للنقاش. مرات حتى أبسط الأمور تتحوَّل لمشكلة كبيرة، وكل واحد فينا ولى عايش بروحه.
هذه الحالة ليستْ مجرد خلاف عابر بين زوجين، بل صورة متكرَّرة داخل كثير من البيوت التي تسلّلتْ إليها القطيعة العاطفية بصمت. فمع تراكم الخلافات الصغيرة وعدم معالجتها في وقتها، يتحوَّل الحوار إلى ساحة مواجهة، ثم يختفي تدريجيًا ليحل محله الصمت واللامبالاة.
يتابع الزوج حديثه بمرارة واضحة: لينا سنين حياتنا كلها على التلفونات. هي في عالمها وأني في عالمي، وكل واحد ما يدورش في الثاني. والصراحة حتى اني ولى عندي الشعور نفسه، كأني فقدتُ الرغبة في المحاولة.
ومع مرور السنوات، لم يعد الأمرُ بالنسبة إليه مجرد خلاف زوجي، بل أصبح حالةً من الإنهاك النفسي والاستنزاف العاطفي.
ويقول: شهادة بالله، لو لا الصغار ما كانش استمريتُ. تعبتُ وفديتُ من الحياة بهذه الطريقة، وربك يفرج وخلاص.
ويرى مختصون اجتماعيون أن أخطر ما قد يواجه الأسرة ليس ارتفاع صوت الخلاف، بل موت الحوار بين الزوجين. فعندما يصبح كل طرف منعزلاً داخل عالمه الخاص، تتآكل جسور التواصل تدريجيًا. ويكبر الشعور بالغربة رغم العيش تحت سقف واحد.
نصيحة: الحياة الزوجية لا تنهار عادة بسبب مشكلة واحدة كبيرة، بل بسبب تراكم سنوات من السكوت  وسوء الفهم وترك الجراح دون علاج.
إن وجود الأطفال سبّب مهم للاستمرار، لكنه لا يكفي وحده لبناء أسرة مستقرة. المطلوب شجاعة حقيقية من الطرفين للجلوس إلى طاولة الحوار بعيداً عن الاتهامات والانفعالات، والاعتراف بأن العلاقة تحتاج إلى إنقاذ قبل فوات الأوان. فالحوار الصادق قد يعيد ما أفسدته سنوات الجفاء، أما الاستسلام والسكوت فلن ينتج إلا مزيدًا من الغربة داخل البيت الواحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى