
لا تبدأ الخيانة الزوجية بلحظة اكتشاف رسالة في هاتف، أو صورة عابرة، أو اعتراف متأخر، بل تبدأ يوم ينهار الإحساس بالأمان داخل العلاقة.
إنها ليستْ مجرد خرق لعقد الزواج، بل زلزالاً نفسيًا يضرب الثقة، ويهدم سنوات من المودة، ويترك خلفه أسئلة موجعة قد لا تجد إجابة:
لماذا حدث ذلك؟ وهل كنت سببًا فيما جرى؟ وهل يمكن للحب أن يعيش بعد أن انكسرت الثقة؟.
وفيما ينشغل المجتمع بإدانة الخائن أو التعاطف مع الضحية، يبقى الجانب النفسي هو الأكثر تعقيدًا، لأنه لا يكتفي بجرح الزوجين، بل يمتد بصمت إلى الأبناء الذين يعيشون تفاصيل الأزمة دون أن يفهموا أسبابها، فيحملون آثارها معهم إلى مستقبلهم.
في هذا الحوار، تكشف الأخصائية النفسية د. دعاء مرمش الأبعاد النفسية للخيانة الزوجية، وتوضح متى تكون العلاقة قابلة للإنقاذ، ومتى يصبح الانفصال الخيار الأكثر حفاظًا على الصحة النفسية.
بدايةً، ما الآثار النفسية التي تتركها الخيانة على الزوجين والأبناء؟ وهل يمكن استعادة الثقة بعد وقوعها؟
تؤكد د. دعاء مرمش أن الخيانة الزوجية تُعد من أقسى الصدمات النفسية التي قد يتعرض لها الإنسان، لأنها تهز شعوره بالأمان، وتزعزع ثقته بنفسه وبشريك حياته، بل وقد تمتد إلى ثقته بالآخرين عمومًا.
وتوضح أن الشخص الذي يتعرض للخيانة يمر غالبًا بمراحل نفسية تشبه مراحل الفقد؛ تبدأ بالصدمة والإنكار، ثم الغضب والرغبة في معرفة كل التفاصيل، يعقبها حزن عميق، وفقدان للثقة، واجترار دائم للأفكار والأسئلة المؤلمة مثل: هل كنت مقصرًا؟ ماذا ينقصني؟ وهل أنا السبب؟ وفي بعض الحالات تتطور الأعراض إلى اضطرابات في النَّوم، وقلق واكتئاب، فيما يُعرف علميًا باضطراب ما بعد الخيانة.
أما الطرف الذي ارتكب الخيانة، فغالبًا ما يعيش صراعًا داخليًا بين الشعور بالذنب والخجل والخوف من انكشاف الحقيقة أو فقدان شريك حياته، وقد يدفعه ذلك إلى الكذب المتكرر وإخفاء المزيد من الحقائق.
وتضيف أن الأبناء هم الضحية الأكثر صمتًا، إذ لا يشهدون الخيانة فقط، بل يعيشون آثارها اليومية من توتر وصراخ وانعدام للاستقرار، ما قد ينعكس في صورة اضطرابات سلوكية، وتراجع دراسي، وصعوبة في بناء علاقات آمنة عندما يكبرون.
وترى أن استعادة الثقة ممكنة، لكنها تحتاج إلى وقت طويل وجهد حقيقي، فالثقة – كما تصفها – تشبه الزجاج؛ يمكن إصلاحه، لكن آثار الكسر تبقى شاهدة على ما حدث.
هل ترتبط الخيانة دائمًا باضطرابات نفسية أو بخلل في العلاقة الزوجية؟
تشدد د.مرمش على أن الخيانة ليست مرضًا نفسيًا، ولا تشخيصًا طبيًا، كما أنها ليستْ مبررًا يمكن نسبته إلى الاضطرابات النفسية.
وتوضح أن بعض اضطرابات الشخصية، مثل: الشخصية الحدية، أو النرجسية، أو المعادية للمجتمع، قد تجعل صاحبها أكثر اندفاعًا، كما أن نوبات الهوس لدى المصابين باضطراب ثنائي القطب قد تدفع إلى سلوكيات جنسية عالية الخطورة. كذلك يسهم تعاطي الكحول والمخدرات في إضعاف القدرة على اتخاذ القرار السليم.
لكنها تؤكد أن وجود هذه الاضطرابات لا يعني حتمية الخيانة، وأن أغلب من يرتكبونها لا يعانون أصلًا من أي اضطراب نفسي مشخص، ما يعني أن المسؤولية تبقى مسؤولية سلوك واختيار.
كيف تُسهم المشكلات النفسية غير المعالجة في زيادة احتمالية الخيانة؟
توضح أن المشكلة لا تكمن في وجود احتياج عاطفي أو نفسي، بل في طريقة التعامل معه. فضعف تقدير الذات قد يدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن الإعجاب خارج إطار العلاقة لإشباع شعورهم بالنقص، كما أن الفراغ العاطفي أو ضعف مهارات التواصل قد يجعل البعض يبحث عن حلول خاطئة بدلًا من مواجهة المشكلات داخل الأسرة.
هل تختلف استجابة الرجل والمرأة نفسيًا للخيانة؟
تقول د. مرمش إن الدراسات تشير إلى أن كثيرًا من الرجال يميلون إلى التعبير عن غضبهم بصورة أوضح عند اكتشاف الخيانة، بينما تُظهر كثير من النساء مستويات أعلى من الحزن والقلق وانخفاض تقدير الذات.
إلا أنها تؤكد أن هذه الفروق ليست قاعدة ثابتة، لأن الشخصية، والخبرات السابقة، والمرونة النفسية، تلعب دورًا أكبر من عامل الجنس في تحديد طريقة التعامل مع الصدمة.
ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها الزوجان بعد اكتشاف الخيانة؟
تجيب بأن أخطر الأخطاء تتمثل في استمرار الكذب وإخفاء أجزاء من الحقيقة، أو مطالبة الطرف المتضرر بالنسيان السريع، وتحميله مسؤولية الخيانة، إضافة إلى إشراك الأبناء والأقارب في تفاصيل الأزمة، والمراقبة المفرطة، واتخاذ قرارات مصيرية في ذروة الانفعال، وهي ممارسات تؤدي إلى تعميق الجرح وإطالة أمد الأزمة.
متى يستطيع العلاج النفسي إنقاذ العلاقة؟ ومتى تصبح استعادة الثقة شبه مستحيلة؟
توضح أن العلاج النفسي والإرشاد الأسري ينجحان عندما يعترف الطرف المخطئ بخطئه دون مراوغة، ويُنهي العلاقة الخارجية نهائيًا، ويتحمل المسؤولية كاملة، مع وجود رغبة صادقة لدى الطرفين في إصلاح العلاقة، واستعداد حقيقي لبناء الثقة من جديد.
أما إذا استمرت الخيانة، أو تكرر الكذب، أو غاب الندم الحقيقي، أو كانت العلاقة مشوبة بالعنف والإدمان والإساءة النفسية، فإن استعادة الثقة تصبح شديدة الصعوبة، وقد يكون الانفصال في هذه الحالات الخيار الأكثر حفاظًا على الصحة النفسية للطرفين والأبناء.
ختامــًــا ..
الخيانة الزوجية ليستْ حدثًا عابرًا ينتهي باعتذار، ولا قصة تُطوى بمرور الأيام، بل أزمة نفسية تعيد تشكيل المشاعر والعلاقات داخل الأسرة. وبين من يختار ترميم ما انكسر، ومن يقرر الرحيل حفاظًا على كرامته وسلامته النفسية، تبقى الحقيقة الأهم أن الثقة لا تُستعاد بالكلمات، وإنما بسلوك يومي صادق، وأن الأبناء يظلون دائمًا أول من يدفع ثمن انهيار العلاقة، حتى وإن لم ينطقوا بكلمة.



